::: تسبيح المعازف ::: إضاءات حول أثر فن السماع في تصويف طرب الآلة

::: تسبيح المعازف ::: إضاءات حول أثر فن السماع في تصويف طرب الآلة
ممتازة 1 ممتازة الثلاثاء 30 شتنبر 2014 ممتازة 0 لا يوجد تعليقات

Dr_thami_copy
للدكتور محمد التهامي الحراق

(وإن من شيء إلا يسبح بحمده)

سورة الإسراء ، الآية 44

لا تحسب الزمر الحرام مرادنا *** زمارنا التسبيح والأذكار

أبو مدين الغوث

بعد أن وقفنا على أبرز الملامح المرجعية والوظائفية والتكوينية لفن السماع ، سنحاول ها هنا أن نقترب من علاقة خاصة وشجت السماع المغربي بموسيقى الآلة التي تَخَلَّقَ فنيا من رحمها ، ويتعلق الأمر بمستوى خاص ومتميز طبع مسار تطور وتبلور هذه الموسيقى ، فوسمها بميسم روحي وصوفي يتبدى في كثير من مناحيها الشعرية والعزفية والإيقاعية والنغمية والأدائية . هذا الميسم الروحي القادم من البعد الصوفي لفن السماع زكى اعتبار هذه الموسيقى كجزء من التراث الروحي والإنساني العالمي بما ترسخه من لطافة وصفاء في سر ودخيلة المتلقي المتذوق ، وبما تُثَبِّتُهُ في الأذهان والأفئدة من قيم معرفية وأخلاقية وجمالية ذات أبعاد إنسانية وكونية .

لنتأمل ، انطلاقا ، واقِعَ هاته الموسيقى في راهنها الشعري والإيقاعي والنغمي كيما نستجلي ذلك ، أعني راهنَها الراقي كما تأدى إلينا من شيوخ هذا الفن وفنانيه وعشاقه وباحثيه ، وكما تتغنى به القلة الوفية للأصول والمخلصة لروح هذا الفن (1).

1 ـ تصويف الإنشاد في الموسيقى الأندلسية المغربية

1.1 ـ روحانية الأنظام

طبقا للإحصاءات الشعرية التي شملت مدونة "الحايك" ، وحسب ما وصلت إليه محاولات تحديد هويات شعراء هذا الكناش ـ مع تحقيقي الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور والأستاذ الحاج ادريس بنجلون ـ فإن أشعار الشيخ الصوفي أبي الحسن الششتري تتبوأ المرتبة الأولى في مُنْشَدَات مدونة هذه الموسيقى ، تليها أشعار الصوفي المغربي سيدي محمد الحراق ، وفي المرتبة الثالثة أنظام سلطان العاشقين عمر بن الفارض (2) ، وهو ما يدل على البعد الصوفي والروحي الذي صبغ بصبغته المدونة الشعرية لهذه الموسيقى حتى غدت تنشد ، إلى جانب قصيد وموشحات وأزجال وبراول الغزل والتشبيب والعشايا والجمال الحسي وخمرة الدوالي ، قصيد وموشحات وازجال وبراول الغزليات الصوفية وكلام القوم ورقائقهم من محبة نبوية ومحبة إلهية وخمريات ربانية وتغزلات بالحقيقة فضلا عن معاني المديح النبوي من شمائليات وتصليات ومعجزات وحجازيات واستشفاعيات وما سواها (3) ، والتي تتبدى وتبرز بشكل جلي وبهي في العمل التحويلي الذي قام به أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي لنوبة رمل الماية خلال القرن الثاني عشر الهجري لما نقل أنظامها من الأغراض الحسية والجمالية الدنيوية إلى المديح النبوي . وهو ما سوف يمتد التنافس لتعميمه على مختلف نوبات الحايك من خلال آلية " القدود " (4).

 

1.2 ـ روحانية الأنغام

إذا كان هذا ديدن المستوى النظمي ، فإن البعد الروحي يظهر ويتجسد أيضا على المستوى النغمي ، وذلك في كثير من الصنائع  الذي تبدوا نفحتها الصوفية ونكهتها الروحية صريحة وساطعة في نسيجها اللحني ونفسها الإيقاعي كما تشهد على ذلك استعمالاتها في حِلَقِ الذكر وحضرات الرقص الصوفي ( أشير هنا تمثيلا إلى صنائع من "قائم ونصف الحجاز الكبير" وكذا من "بطايحي عراق عجم" ، كما أشير أيضا إلى البراول الصوفية العديدة في قدادم طبوع الرصد والحجاز الكبير والاستهلال ورصد الذيل والماية ... إلخ ، كبراول الشيخ الحراق "نار حبك فالقلب كدات" ، "جاد عليا برضاه" ، "جاد الزمان واستبشر قلب الهايم" ، " جن الليل عليا" ، "كلي فوجودك" ... إلخ ) ، هذا فضلا عن ميزان الدرج الذي يتمايز في نسيجه اللحني والإيقاعي الأسلوب الأندلسي الآلي ( نمثل له بتلاحين ، الكامل ، البسيط ، وموشحات "من ملك عقلي رهين" ، " باكر للصبح يا نديم" ، "العذراوي" ، "قد بدا ما كنت أخفيه على" وهي كلها صنائع كلها من موسع الدرج ) عن الأسلوب الزاوياتي ممثلا في الدرج الانسيابي والحضاري بموسعه ومقنطره ومهزوزه ( ومن نماذج تلاحينه : الطويل ، الوافر ، الكامل ، الرمل ، المتقارب ،علاوة على موشحات وأزجال القوم مثل : "اشرب شراب أهل الصفا" ، " الحب أفناني" ، "مدامك يا شيخ الحضرا" ، "بديت بذكر الحبيب" ، " أطيب ماهي أوقاتي" ، "جاد بالوصال "... إلخ ) (5) .

نحن إذا إزاء ثراء شعري ونغمي لافت ، وكذا إزاء إضافة إيقاعية متميزة (ميزان الدرج ) جعلت البعد الروحي المستمد من فن السماع الصوفي ـ والمختلق في أصله من رحم الموسيقى الأندلسية والمتطور والمتبلور في ملامحه الأدبية والطربية والوظائفية في حضن الزوايا الصوفية الشاذلية المغربية ـ يضفي حلة صوفية على طرب الآلة ضمنت تداول هذه الموسيقى في الزوايا ، حيث أضحت هذه الأخيرة الحاضن والمتبني لها لما حوصرت بفتاوى الحضر والمنع ، كما أن تلك الحلة الصوفية شكلت مظهرا من مظاهر مغربة هذه الموسيقى بحيث تحضر الأشعار المديحية والصوفية في مدوناتها الإنشادية كتوقيع مغربي ، سواء أ كان الناظم المديحي أو الصوفي مغربيا أم كان التحويل الشعري والاستعمال التأشيري والتصويفي للأنغام والأنظام هو الذي يحمل توقيعا مغربيا (6).

  1. 2 ـ العزف والمعازف : من اللهوي إلى الإلهي

إن هذه الروحانية التي ألقت بظلالها وسرابيلها اللطيفة على الموسيقى الأندلسية المغربية سواء على المدونة النظمية أو على السجل النغمي والإيقاعي ، ستتجلى وتتوهج كذلك على مستوى العزف ومعازف ، وهو مناط التفصيل في هذا المقام . لنسجل ، بداية ، أن السماع الصوفي لم يكن في بادئ شأنه وأول أمره يتوسل بالآلات والمعازف ، وإنما كان يقتصر على الإنشاد معتمدا في ذلك على الأصوات والحناجر ولائذا بأساليب التصويت البسيط وتحبير الصوت بالترجيع والترديد والخفض والرفع والتحسين والتزيين استلهاما من قواعد تجويد القرآن الكريم وكذا من تقنيات الغناء الدنيوي دون محاكاته في كامل جزئياته الفنية ، لا سيما تلك المتصلة بقوة بوظائف التسلية والتلهية . بهذه الملامح انمازت صورة السماع لدى الصوفية الأوائل إلى حدود القرنين السادس والسابع الهجريين ، بحيث لم يكن الإنشاد ينفتح على الآلات والمعازف ، وإن تم ذلك ، فلا يتعدى في الغالب استعمال الدفوف مما هو مجمع على شرعيته الفقهية .

غير أن الأمر ، وبدءا من القرنين السادس والسابع الهجريين ، سيتخذ منحى مغايرا ، حيث سينفتح الإنشاد على الآلات والمعازف شيئا فشيئا ، وعلة هذا التحول ما عرفه التصوف خلال هذه الفترة التاريخية من انتعاش تبدى في ظهور وتكاثر طرقه وزواياه وانتشار خانقاواته وتكاياه ، وبروز شيوخ وأعلام وشعراء صوفية كبار سيثرون ويأثرون في المدونة الإنشادية الصوفية بأشعار فصيحة موزونة رفيعة المبنى والمعنى ، ثم بموشحات ذات انفاس موسيقية آسرة وثرة ثم بأزجال ومقطعات خفيفة راقصة ، مما سيشكل مادة قوية ستغذي الإنشاد والسماع ، وستدفع أهله إلى الانفتاح على الآلات والمعازف من أجل تطريب هذه المادة وتغذية وتقوية تأثيرا في المتلقي لتحريك مواجيده وقدح أحوله وأذواقه .

وكيما يتفادى ويتحاشى أرباب القوم إنكار وتعنيف الفقهاء ، وإلى جانب المناظرات الفقهية والسجالات القوية والصاخبة التي خاضها علماء الصوفية وفقهاؤهم حول شرعية السماع وحكم الغناء والموسيقى والتي خلفت لنا تراثا من المناظرة والسجال في هذا الباب ما زال يغتني ويتناسل إلى وقتنا هذا بين مبيح ومحرم بإطلاق ومحلل بشروط ، ومتحفظ على الآلات ، وقابل ببعضها وناكر لمجملها ... إلخ ، إلى جانب هذا المستوى الفقهي السجالي (7) ، سيضطلع الصوفية بـ "تصويف" الآلات من خلال استنباتها وتوظيفها في نسقهم وإضفاء دلالات روحية على عزفها واستعمالها بشكل يحولها من آلات تثير الغرائز ونزوعات الهوى والإقبال على ميولات النفس وشهواتها ومتعها الحسية ، إلى آلات تسبح الله وتذكره بأوتارها ونغماتها وإيقاعاتها ، مستندين في ذلك على الآية الكريمة ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) " سورة الإسراء ، الآية 44 " .

1.2 ـ آلة العود ووترية الحق

هكذا سنجدهم يلتفتون إلى الآلة ذات الشأو السيد في الموسيقى العربية الإسلامية ، اعني آلة العود لينسجوا حولها رؤية صوفية خاصة بمقتضاها أصبحت أوتار هذه الآلة تسبح ومثانيها تلهج بذكر الحق سبحانه ، يقول أبو الحسن الششتري :

واسـمـع إذا غـنــت المـثـانــي ** تقول يا هو لبيك يا هو

واطرب  لذكر الحبيب وافرح ** قد بلـغ الشـوق منتهـاه (8)

على أن الطرب هنا والفرح ليسا لهويين دنيويين حسيين نفسيين ، وإنما هما طرب وفرح روحيان ربانيان صوفيان تسبيحيان . إن الطرب هنا نوع من الذكر ، والفرح هو فرح بالمذكور المحبوب ، يقول أحد العارفين في بيتين اشتهرا على ألسنة المنشدين ، وخصوصا في ما يعرف عند أهل فني الآلة والسماع بإنشاد بيتي "المزموم" :

حبيبي ومحبوبي وروحي وراحتي ** وكأسي ومشروبي به الغصن يلقح

أهيم به وجدا وشوقا ولوعة ** وأرقص من ذكر الحبيب وأفرح

ومما يتغنى به أيضا في مدونة طرب الآلة ، ضمن هذا المعنى ، قول الشيخ الششتري في موشحة أخرى متحدثا بلسان القوم :

نـحـن قـوم لنـا ** في المعاني أسرار

الهـوى طبعـنا ** والولوع والأذكـار

الطرب والغنا ** بـه تـزول الأغيـار (9)

أي به تزول أغيار النفس وأدرانها وحظوظها ولحوظها النفسية ، فالطرب والغناء مصدر لتسكين الدواخل وترويح السرائر ، يقول الشيخ أبو مدين مناديا ومستنشدا حادي القوم :

فيا حادي العشاق قم واحد قائما ** وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا (10)

ولأجل هذا المغزى الوجدي للتنغيم يدعوا أيضا الصوفي الكبير سلطان العاشقين ابن الفارض إلى استجلاء الخمرة الربانية واستدعائها بالنغم والألحان ، فهي تدفع الهم مثلما يدفع النغم الغم ، يقول في خمريته الشهيرة :

فدونكها في الحان واستجلها به ** على نغم الألحان فهي بها غنم

فما سكنت والهـم يوما بموضع ** كذلك لم يسكن مع النغـم الغـم (11)

فالنغم يجب الهم ويمحو الغم ، إنه مروحة للباطن وراحة له ، هو استجمام من الأستار واستجلاء للأنوار ، يقول الشيخ النابلسي :

هب لربع الدير تلمح ** نوره الشعشاع باهي

واسمع النغمة ترتاح ** واغتنم صوت الملاهي

وقتنا نقرة مزهر ** وغناء العندليب

كل شيء عقد جوهر ** حلية الحسن المهيب (12)

من هذا المنطلق العرفاني سيشتغل المنحى التصويفي الذي شمل دلالات العزف واستعمال المعازف ، يتبدى بجلاء مثلا مع ابن الفارض في سياق حديثه عن "وحدة الشهود" ، والتي يستولي في معنى الجمال الإلهي على المحبوب ، ليكسو بسره كل الكون بحيث لا يرى المحب في العالم سوى حقيقة محبوبه وآثار بهائه ولا يبصر سوى تجليات جماله و"شموس وجوده وأقمار شهوده" ، يقول :

تراه إن غاب عني كل جارحة ** في كل معنى لطيف رائق بهج

في نغمة العود والناي الرخيم إذ ** تآلفا بين ألحان من الهزج (13)

إنها مجالي الجمال الإلهي ، حيث يتلألأ المعنى الروحي اللطيف في اللحن ونغمة الناي ونقرات العود ، الأوتار هنا تلهج بسر الوِتر كما أشار إلى ذلك آنفا الششتري ، ومثلما صرح بذلك أيضا الصوفي المنافح عن الآلات واستعمالها في السماع ، الشيخ عبد الغني النابلسي ، حين ينظم :

لا فرق عندي بين الوِتر والوَتر ** وليلة القدر عني ليلة القدر

قد قال يُفرَق فيها قول خالقنا ** من كل أمر حكيم حكم مقتدر

إلى أن يقول في القصيدة بعد إيراد واستعراض آلات الطنبور والناي والرق واليراع :

وما المحرك إلا واحد هو في ** غيب الغيوب تعالى مظهر الأثر (14)

والإشارة ذاتها يضمنها الشيخ محمد البصري  في قوله :

حدث عن الوِتر أيها الوَتَر ** من فاته الخُبر سره الخَبَرُ

إلى أن يقول مخاطبا الوَتَر :

قد اودع الوِتر فيك حكمته ** فمنه لا منك تطرب الفطر

فالأوتار إذن هنا تحيل على الحق ، وتبعث في متلقيها الواجد المعاني العلوية والحقائق الإلهية والمعارف الذوقية التي يترقى الصوفي في معارجها ويتحقق بمذاقاتها العرفانية (15).

لنتذكر هنا قبل أن ننتقل إلى آلة نفيخة تلازمت مع آلة العود في الأبيات الآنفة ـ وسنعثر عليهما متجاورتين في إشارة دالة لدى أحد كبار الشيوخ السابقين على ابن الفارض والششتري مثلما سنقف على ذلك لاحقا ـ ، لنتذكر في هذا السياق ما ينسب إلى زرياب من إضافته الوتر الخامس إلى آلة العود عند استقراره بالأندس ، وهو الوتر الذي جعله تحت المثلث وفوق المثنى (16) وسواء قبلنا هذه الإضافة في معناها الحذافيري المباشر أو أخذنا برأي من يعتبر أن هذه الإضافة ذات غاية نظرية لكي تكتمل في العود قوى الطبائع الأربع ، ولكي يقوم الوتر الخامس المزيد مقام النفس من الجسد ، مما يدل على أن إضافة هذا الوتر ، حسب هذا الرأي ، لا تعني توسيعا للمساحة الصوتية في آلة العود وإنما هي تلبية لغاية نظرية بحتة (17) ، سواء أخذنا بهدا الرأي او ذاك ، فإن الصوفية قد وجدوا في هذه "الإضافة" معنى إشاريا يزكي وترية العزف باعتباره تسبيحا بالوتر والإفراد ، "فالله وتر يحب الوتر" كما جاء في الحديث (18) ، والوتر متعلق بحضرة الإفراد ، لأن "كل فرد وتر بالغا ما بلغ" (19) ، والقوم ما فتئوا يشيرون بالشفع للخلق وبالوتر للحق (20) . لهذا نجد أرباب السماع يقرنون بين إضافة زرياب لهذا الوتر الخامس وإلحاق الميزان الدرج بالميازين الأربعة (21) ، وهو الإلحاق الذي يرون فيه غاية صوفية تنزع إلى تأسيس الموازين على الإفراد ، ومن ثم يتحقق تصويف دلالة عددها

(22) . فالإفراد ذو دلالة صوفية إشارية حتى ان شق حلق الذكر من السماع يطلق عليه : "السماع المجرد في ما يعين على ذكر الاسم المفرد" (23) . إنه امارة من الأمارات الدالة على التوحيد الخاص الذي يرتقي في أذواقه العارفون والسالكون بمجاهداتهم ورياضاتهم الروحية ، فوترية أوتار العود تزكي تسبيحها بالوتر وتقوي الدلالة التنسكية للأنغام الصادرة عن تلك الأوتار . لنقرأ هذه الأبيات التي يشج في جسدها ومعناها الشيخ أبو مدين الغوث بين آلتي المزمار والعود، لينحو بهما دلاليا نحو التسبيح والذكر والإشارة إلى الجمال الإلهي:

والعود للطير الحسان مجاوب ** والطار أخفى صوته المزمار

لا تحسب الزمر الحرام مرادنا ** مزمارنا التسبيح والأذكار

زشرابنا من لطفه وغناؤنا ** نعم الحبيب الواحد القهار

والعود عادات الجميل وكأسنا ** كأس الكياسة والعقار وقار

فتألفوا وتطيبوا واستنغموا ** قبل الممات فدهركم غدار (24)

ومثلما كان للعود الاعتبار البارز في تصويف المعازف لدى القوم (25) ، كانت كذلك للناي والمزمار دلالة روحية عميقة يعضدها ويرسخها لسان الإشارة في قول الششتري :

واشرب من الراح الذي يقرى به ** للوارد الصادي على المزمار

واسمع إلى الألحان واخلع عندها ** او ما تراني قد خلعت عذاري (26)

2.2 ـ الناي ونفخة الإيجاد الإلهي

لعل أبرع وأبرز من اعتنى روحيا وعمليا بآلة الناي هم المولوية الذين أولوا لهذه الآلة عناية صوفية ، ومحضوها رعاية تأصيلية روحية استثنائيا وباذخة تجلت في حضورها المركزي في سماعهم ، وكذا في تأصيلها العرفاني سواء مع مؤسس الطريقة مولانا جلال الدين الرومي "ت 671 هـ / 1273 م" الذي كان يمجد الموسيقى باعتبارها طريقا للوصول إلى معرفة الله ، إذ يقول : " ثمة طرق كثيرة توصل إلى الله ، أما أنا فقد اخترت طريق الرقص والموسيقى " (27) ، أو مع تلامذته الذين رسخوا هذه المركزية الموسيقية في طريقتهم ودورانهم وسماع دراويشهم (28) . فالناي بالنسبة لهم "رمز لروح الصوفي الذي ينوح لأنه بعيد عن عالم الروح (29) . يقول جلال الدين الرومي في "المثنوي" :

الناي صفي كل من أبعد عن حبيب ** وانغامه مزقت ما أسدل عن أبصارنا من حجب (30)

إنه من ناحية أخرى لا يفتأ يسبح بسر الوتر ويذكر حبيبه ومولاه على غرار مثاني العود ونقرات الدف فتستجيب لتسبيحه العوالم والأكوان ، لأن "سنا المحبوب كسا العوالم جملة" كما قال الشيخ الحراق (31) . ذلك هو السر الذي يصغي إليه أرباب الذوق بآذان أفئدتهم ويلتقطونهم ببصائرهم المعمرة بحب وذكر الحق سبحانه ، لنقرأ هذا الأثر الإشاري المولوي :

صوت الدف والناي يردد : الله هو ** يرقص الشفق ويقفز مسرورا : الله هو

الشمس المعظمة في الوسط ، يا من أنت ضياء المتدفق ** روح كل الكواكب السيارة تدور مرددة : الله هو (32)

هكذا يصبح الناي بصوته وترانيمه ملهما لاقتباس المعنى الإلهي في سائر الموجودات ، بل إن صوفيا من طراز الشيخ عبد الغني النابلسي صاحب " إيضاح الدلالات في السماع الآلات " ، سيؤلف رسالة فريدة في بابها بعنوان "تحفة أولي الألباب في العلوم المستفادة من الناي والشباب" ، بما يشي بالمعاني والمعارف الذوقية التي يفجرها الناي في سرائر الواجدين ، باعتبار النفخ إشارة لفعل الإيجاد الإلهي ، قال تعالى : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) "سورة الحجر ، الآية 29 " ، وباعتبار طبيعة الناي البرزخية ورمزيته الدالة على نداء الكينونة المتمزق بين الحضور والغياب (33) .

وإذا كان هذا شأن الناي بوصفه متميزا في روحانيته لدا المولوين بشكل خاص ، فإن هذه الروحانية قذ شملت بمعانيها ودلالاتها ولطافتها الصوفية غيرها من الآلات ، حتى أصبح العزف والموسيقى عند المولويين نوعا من "العبادة والصلاة" .يحكي أفلاكي أنه (بعد ظهيرة أحد الأيام كان احد الموسيقيين يعزف على الكمان ، وكان الشيخ يستمع باستمتاع كبير ، دخل أحد الأصدقاء فقال : " كف عن هذا ، فالمؤذن يؤذن لصلاة العصر" ، قال جلال الدين : لا ، فإن هذا أيضا صلاة العصر ، كل منهما يتحدث إلى الله ، وهو يريد الأول ظاهريا والثاني لحبه ومعرفته ) (34) . ويضيف مولانا متحدثا عن الرباب آلات المولويين ، "هذه مجرد عود جاف، قطعة يابسة من الخشب وجلد جاف ، لكن صوت حبيبي يصدر عنها" (35) .

3ـ تصويف موسيقى الآلة في الزوايا المغربية :

لمع دالة

إن هذا التصويف من حيث هو إضفاء للبعد الروحي على صوت الآلات وعزف المعازف سيمتد عبر التاريخ ، وسينتعش في المغرب مع زمرة من الشيوخ ، وبشكل أخص مع الزوايا الصوفية التي احتضنت الموسيقى الأندلسية واعتنت باستلهامها في أذكارها وأحزابها وتسبيحاتها وحلقات سماعها ، كما هو الشأن مع الزوايا الدرقاوية والحراقية والريسونية والشقورية والصديقية والوزانية (36) .

3.1 ـ أنس عارف بآلة السماع

هكذا مثلا وجدنا الشيخ العارف سيدي أحمد التيجاني (تـ 1230 هـ / 1815 م) يستحضر العازف المطرب عبد الحق الجابري "ليؤنسه بآلة السماع حين يغلب عليه الحال" (37) ، وقد كان هذا الفنان ذا صوت صداح وجميل مع براعة في العزف جعلت أبا المواهب العلامة الصوفي سيدي العربي بن السايح (تـ 1309 هـ / 1891 م ) يقول عنه لما سمعه انه "يحرك الجماد وتهتز له النفوس الكثيفة " (38) وقد نظم في حق هذا الفنان العالم الصوفي حمدون بلحاج السلمي مادحا :

إن السـمـاع لمقـلـة ** إنسـانهـا فـي الجـابـري

جبر القلوب بقوسه ** فاعجب لقوس الجابري (39)

ومما له دلالة في سياقنا أن الشيخ أحمد التيجاني استحضر ذات مرة المطرب الجابري ، وغنى له هذا الأخير خلال تسع ليال متتابعة من شهر رمضان ، استعمل في الليلة الأولى كلام ابن الفارض وغيره من القوم ، مما يشي بالبعد الروحاني للإنشاد ، وكذا بالمنحى التصويفي للعزف في حضرة الشيخ الذي لم يكن يماري في استعمال العود والرباب و"الكمانجة" (40) . هذا التصويف الذي نجد الدرقاويين يسهمون فيه بقوة وبهاء .

3.2 ـ من موسيقى درقاوة

فقد ذكر صاحب "أغاني السيقا" أنه كان يحضر مع أصحاب مولاي العربي الدرقاوي (تـ1239 هـ / 1823 م) في زاويتهم بالرباط ـ ولعل ذلك في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة ـ "ويحضر أهل العدوتين ويقوم الشريف مولاي عبد الرحمان الفكيكي خلف الحلقة 'يعني حلقة العمارة والذكر' والعود بيديه يضرب فيه ولحيته في غاية البياض شيبا ويحضر معنا بعض أعيان سلا كالفقيه ابن حمان (41) . وهذه العناية الدرقاوية بآلة العود في حضن الزاوية بل وفي حلقة الذكر ، هي أثر من عناية الشيخ مولاي العربي الدرقاوي بكل ما من شأنه أن يحفز على الذكر ويشجع الناس على التمسك والتنسك به وشحذ الهمة له بعد أن شاعت الغفلة والانصراف عنه " (42).

من هنا عنايته أيضا بآلتي الطبل والمزمار ، واللتين استعملهما أيضا فقراؤه في الفرح باهل الله والترحيب بهم ، فقد ورد عن مولاي العربي الدرقاوي أنه "كان يحتفل لمقابلة أصحابه والكبراء منهم احتفالا لائقا ، فكان يوجه في وقت الموسم أصحابه إلى المسارب والطرقات يتجسسون أخبار الواردين ، فإذا ورد عليه البشير بأن سيدي  فلانا وأصحابه وصلوا ، كان مولاي العربي يقوم في جمهرة من أصحابه ومعهم الطبالون والزمارون يردون على الذاكرين من الفقراء ، حتى إذا تقابل الواردون والمرحبون بهم تقدم الجميع للسلام على مولاي العربي وأقيمت حلقة الذكر ، ثم رجع الجميع يذكرون الله إلى أن يصلوا إلى الزاوية ، (43) . ولعل هذا هو أصل استعمال الطبل في العمارة لدى الدرقاويين .

3.3 ـ زوايا تربي بالموسيقى

وإلى جانب الزاوية الدرقاوية التي تواترت فيها العناية باستعمال الآلات وتطورت في زواياها وفروعها ، نجد الزوايا أخرى وصل بها الحد في العناية بالآلات إلى احتضان أجواق فنية في عقر دارها وإكرامهم والعناية ببلورة مدوناتهم النظمية والنغمية وتطوير ادائهم الموسيقي والإنشادي من أجل توظيف تلك الموسيقى كأداة مساعدة على التربية الصوفية (44) . هكذا سنجد تنافسا قويا على هذا المستوى بين الزاويتين الريسونية والحراقية في تطوان (44) ، فالأولى عرفت ظهورا استثنائيا ومتميزا للآلات في السماع على عهد "السيد" سيدي عبد السلام الريسون (تـ 1299 هـ / 1881 م) ، والذي تشكلت عنه مدرسة ريسونية ، احتفت غاية الاحتفاء بالآلات في السماع استعمالا وتجديدا وصناعة ، فيما بلغت عناية الزاوية الحراقية بالآلات والمعازف أوجها مع الشيخ سيدي ادريس الحراق (تـ 1353 هـ / 1933 م) ، والذي أصبحت معه الزاوية متحفا للآلات المختلفة التي كلما علم الشيخ بوجودها إلا وأرسل في طلبها وشرائها ، فضلا عن ترؤسه لجوقة الفقرا التي كانت تحيي أفراح الفقرا والمريدين والمحبين بالذكر والطرب (46) . ولم يكن هذا من باب الترف ولكن من باب التعبير عن جمالية الطريقة الحراقية ، رغم تجربة التجريد التي جربها سيدي ادريس على يد شيخه سيدي عبد القادر بن عجيبة (47) . وهي جمالية تقوم على التنعم بالنعم وإظهار حلل الفضل والتجمل والتأنق في اللباس والمشرب والمأكل ، والتحدث بأفضال الحق في مختلف مظاهر الجمال الحسي مع توجيه الباطن نحو الحق وتثبيت محبته في القلب ، واتخاذه مقصدا وغاية ووجهة بصدق نية وإخلاص طوية في كل سكنة وحركة .

وفي ضوء هذه الخلفية الصوفية الفنية تعاطى الفنانون أبناء ويدان وأجزول ومن جرى مجراهما لتلحين قصيدة "الهمزية للإمام البوصيري وفق طبوع وإيقاعات الموسيقى الأندلسية المغربية (48) هذه الهمزية المرنمة التي تعد نصا فنيا متميزا ينشد ويعزف بعمق نغمي وإيقاعي رفيع في كل من الزاويتين الريسونية والحراقية مثلما أسلفنا في المبحث الثاني من كناب موسيقى المواجيد كما ستزدهي الزاويتان بوجود فنانين ومنشدين وعازفين رفدوا بقوة المدرسة التطوانية في الموسيقى الأندلسية المغربية (49) .

وفي هذا الأفق نشير أيضا إلى نشاط الزاوية الشقورية بشفشاون والصديقية بطنجة ، وهما الزاويتان اللتان مزجتا العمق الروحي الصوفي بالموسيقى عزفا وإنشادا مما طبع الأوتار والأصوات بمعالم أدائية ذات آثار وتأثيرات كبرى على النفوس والأرواح ، معالم تم استمدادها من الازدهار الفني والوجدي اللذين كانا يتآلفان في حضن الزاوية ويتناغمان ليشكلا نموذجا فنيا متميزا في طابعه وأسلوبه وفنيته ، لتسهم بموجبه الموسيقى في التربية والتأهيل الروحي مثلما تسهم التربية الروحية في تهذيب هذه الموسيقى وتبليلها بآثار الروحانية وفيوضات السر الصوفي الذوقي .

3.4 ـ الموت والطرب

لن نتجاوز هذه الإطالة العابرة والموجزة دون الإشارة إلى أحد شيوخ الطريقة الوزانية ، سيدي علي بن أحمد بن مولاي الطيب الوزاني (تـ 1226 هـ / 1811 م) ، والذي يعد نموذجا ساطعا لعناية الوزانيين بالموسيقى واحتضانهم لنوباتها ووعي صدور صغارهم وكبارهم ، إناثهم وذكرانهم لصنائعها ومستعملاتها . فقد كان هذا الشيخ يحتضر في مرضه الأخير ، فـ " أمر فقراء البردةـ كما يروي واحد ممن حضر الحدث ـ بقراءتها من أولها إلى ختمها ، وقرؤوا من الهمزية شيئا من آخرها حتى ختموها ، وأمرهم بقراءة بعض القصائد المولدية في مدح خير البرية ، ووجبت صلاة العصر فأمر بالوضوء من لم يكن على وضوء فتوضؤوا وصلينا الظهر ، وأذن لأصحاب الموسيقى فدخلوا فأمرهم أن يعملوا عراق العجم فعملوا منه ما شاء الله وشيئا من طبع الحسين ، وأمرهم أن يعملوا أيضا التوشيح المعلوم بأبي حيان وهو" إن جن ليل داج " ، وهذا بواسطة ابنه البركة وخليفته من بعده ووارث سره مولانا التهامي" (50) .

لنتأمل هذه العناية الخاصة بالموسيقى  والشيخ في الهزيع الأخير من عمره ، ودلالة أن يحضر أرباب الطرب ويطلب إليهم العزف والإنشاد ، بل وأن يختار طبوع الطرب والتغني ، والذي رأى فيه بعض الذائقين (51) إيذانا بدنو أجله ، لأنه طلب عزف وإنشاد طبع "عراق العجم" ، وهو الطبع الذي جرت عادة الأشياخ الصوفيين وأهل السماع على ختم المجالس به (52) .

وعلاقة الطرب بالموت عند الصوفية واحد من الموضوعات والأسئلة التي تستدعي تعميق الفحص والنظر والبحث ، لا سيما إذا علمنا ان كثيرا من المريدين والصلحاء أوصوا أن تشيع جنائزهم بالطرب والموسيقى (53) ، وهو ما لم يستسغه العوام ، بينما كان الموصون يومئون بالطرب إلى فرحهم بلقاء محبوبهم ، لأن "بعض القوم يسمع السماع فرحا بمقام عرس الوصال ، قال الله تعالى (فرحين بما آتاهم الله من فضله) '54' . لذلك طلب جلال الدين الرومي من زائر قبره أن يهجر الحزن ويصحب معه دفا للابتهاج والطرب ، يقول "حين تقبل زائرا قبري ستجد ضريحي المسقوف يرقص فلا تأتين يا أخي دونما دف إلى قبري ، فليس هناك من مكان للحزين في الوليمة ، (55) . هكذا كان ديدن السماع عند المولويين اللذين جعلوه إمارة على الفرح ، ورفضوا استعمال السماع والطرب للتعبير عن الأحزان ، يقول جلال الدين الرومي أيضا في نظم دال :

امض إلى السماع حيث يكون ثمة عرس ** ولا تنشده في المأتم فذلك مكان للألم (56)

من هنا كان الطرب في الجنائز على شذوذه في عرف وتقاليد العامة ، دالا صوفيا عميقا على فرح المحب بلقاء محبوبه ، وهو سياق تتخذ فيه الآلات وأصواتها دلالات فرح وجودي وانتشاء صوفي بلقاء عبد بمولاه ، لقاء يَعْبُر فيه المحب إلى الحياة الأخرى بالطرب وتغادر فيه الروح شبحها بالموسيقى مثلما دخلته بالنغم في أول الخلق وبداية النشأة كما يعتقد كثير من الصوفية منذ أن باح ورسَّخ ذلك جلال الدين الرومي في إفضاءاته العرفانية (57) .

هكذا نلاحظ ان حضور الموسيقى في الزوايا ضمخ الآلات وعزفها بأريج روحي ودلالات باطنية مستمدة من صميم النسق الصوفي ومجاله التداولي المخصوص ، فاستعمال المعازف في حلق الذكر أو عند الاحتضار أو في الجنائز ، واعتبار الآلات مسبحة بسر الوتر وموحية في ترانيمها وتحبيراتها إلى نفائس حقيقة التوحيد ومجاليه الجمالية في باهي الكون ، كل ذلك رسخ روحانية في المعازف وأصواتها وأساليب ترنيمها واستنطاق أسرارها . وهذه حادثة صوفية مغربية ترسخ وتعضد هذه القراءة .

3.5 ـ الرباب النشوان

كان الفنان الكبير والمطرب الشهير الفقيه محمد بن عبد السلام البريهي ( تـ 1294 هـ / 1878 م) يتردد كل جمعة مع ثلة من أفراد جوقه ، منهم الطرار الماهر عزوز بناني على الزاوية الحراقية بفاس ، زاوية الشيخ محمد العطار ( تـ 1347 هـ / 1928 م) (58) . وذات جمعة ، وبينما الفقراء يتواجدون في حلقة الذكر على كلام القوم ونغمات المعازف ، إذ بالشيخ العطار ينتفض متواجدا وسط حلقة الرقص ، وفي لحظة من اهتياج حاله وبينما البريهي يعزف على ربابه الذي كان يسبح بنغمه الموسيقي الجهور الرخيم الفريد ، إذا بالشيخ العطار يخطف الرباب من يد عازفه ويزرعه في قلب عمامته الشامخة ، وطفق يدور ويرقص به طربا وفرحا بذوقه ووجده وفنائه في محبوبه ومولاه ، وبعد وقت غيبة ورقص وتواجد ، وبعد أن آب الشيخ إلى صحوه أرجع الرباب إلى صاحبه . وقد قيل أنه منذ هذه الحادثة الصوفية أصبح عزف البريهي ينطق حلاوة وطلاوة وسرا استمد معناه من لطافة سكر القوم وكيمياء مواجيدهم ، والذين تبلل بهما ربابه في حلقة الذكر على رأس الشيخ العطار (59) ، حتى ذاع أنه "لا يوجد من يضاهيه في صناعة الرباب (60) .

مجمل القول لقد نجم عن تصويف المعازف عدة نتائج ، مثلما نجم عن تصويف موسيقى الآلة نظما ونغما وإيقاعا وأداء جم من الآثار ، لعل من أبرزها أن أشعارها لما تصوفت فقدت تلك الصلة الموضوعاتية بين أغراض الشعر المتغنى به في النوبة ووقت إنشادها (مثل القول بموافقة ومناسبة تيمة ووميقات الصبح بطبع العشاق ، وتيمة وميقات الليل لطبع رصد الذيل ، وتيمة وميقات العشية لطبع الماية ...) ومن ثم فإن الأنغام والطبوع لم يعد لها ارتباط بزمن معين بالإنشاد كما ترسخ ذلك نظرية الطبوع وتوضحه شجرة أصول الطبوع وفروعها ،. فبالإضافة إلى التحولات والصيرورات التي مست بنيات الطبوع وإعادة ترتيبها وإدماج بعضها في بعض ، بعد اندثار العديد منها ، والتي أدت إلى إفراغ الترتيب الفني للطبوع المستند إلى تلك النظرية ، من كل قيمة فنية إجرائية (61) ، إضافة إلى ذلك ، فإن تصويف موسيقى الآلة ، والذي بينا بعض معالمه آنفا ، يفصل إنشاد وعزف هذه الموسيقى عن الزمن الفزيقي الحسي ليصلها بزمن لا تاريخي ، زمن روحي متعلق بوقت الصوفي وأحواله ومواجيده (62) . تكتب أنيماري شيمل عن السماع : "لا ينبغي أن ينسى المرء أن هذا السماع ليس سوى فرع من الرقص الروحي الأزلي الذي سينضم إليه الروح يوما ، وارتباطه بعالم الروح يسمح بأدائه في أي زمان وأي مكان ، فهو غير مقصور على زمان أو مكان او عصر، والحق أن كل شيء مخلوق يمكن أن يشترك على نحو واع في هذا الرقص الكوني العظيم" (63) .

إن هذه الإشارات سواء ما تعلق منها بالنظم أو النغم أو الإيقاع أو الآلات أو الدلالات تهدف لإثارة الانتباه إلى بعد روحي تصويفي ، أضفاه السماع وأربابه على الموسيقى الأندلسية المغربية الأصيلة ، وهو بعد عرفاني تنضح به ــ برونق وروعة وبهاء ــ تلاحينها وإيقاعاتها وأنظامها ، خصوصا بعد أن تبللت في حضن الزوايا والطرق وعلى يد السكارى الإلهيين بالسر والمعنى الروحيين اللذين يتخللان ثناياها الأدبية والطربية إلى يومنا هذا ، رغم تصاريف الزمن وعبث بعض المحجوبين عن هذه المعاني .

الهوامش :

1ـ لقد مضى عقد من الزمان على تلك القراءة النقدية التي قدمناها لواقع طرب الآلة في تداول الأغلبية من اهل هذا الفن ببلدنا ، وما زالت هذه القراءة تمتلك راهنية وإجرائية أكيدتين . إذ ما تزال تلك الآفات التي انتقدناها لصيقة لتداول الآليين ، إن لم نقل إنها تفاقمت حتى كادت الألفة بها تعمي الأبصار عن آثارها السلبية الفادحة 'راجع مجلة أحلام المغربية ـ ع 1 / 2000 ، ص 23 ـ 28 ، كما نشرت أيضا في مجلة الصحراء المغربية عدد 13 ماي 2000 ص 9"

2ـ الموسيقى الأندلسية المغربية (فنون الأداء) عبد العزيز بن عبد الجليل ، سلسلة عالم المعرفة ع 129 ، الكويت 1988 ، ص 145

3ـ راجع المبحث الثاني من كتاب موسيقى المواجيد لنفس المؤلف

4ـ راجع المبحث الرابع من كتاب موسيقى المواجيد لنفس المؤلف

5ـ حاولنا أن نميز بين الأسلوبين من مختلف أعمال 'جمعية الصفا لمدح المصطفى' ضمن ما يعرف بـالحوليات الصوفية ، وهي برامج فنية سنوية تقدم في موسم مولاي ادريس الأكبر بزرهون . وقد دشنت منذ سنة 2000 سلسلة الأدراج من خلال برامج موضوعاتية تطمح إلى أن تغطي أدراج سائر طبوع فن السماع .، فبعد الصيغة الأولى لدرج رمل الماية الذي قدمته الجمعية في مهرجان المديح والسماع بفاس  1998 حول الخمريات الصوفية أطلقت الجمعية حولياتها السماعية بزرهون وشملت :

ــ  ترانيم رقيقة في المزج بين الشريعة والحقيقة ، درج الرصد 2001

ــ  حادي الأشواق إلى لطائف الأذواق ، درج غريبة الحسين 2002

ــ  نفحات لطيفة في التعلق بالمصطفى ودوحته الشريفة  ، درج النهاوند 2003

ــ  نخبة التلاحين في محبة الصالحين ، درج الاستهلال 2004

ــ  أذكار ومرتلات في ما في الحقيقة الأصيلة من تغزلات ، درج الماية والصيكة 2005

ــ  زاد الحادي إلى زيارة خير هادي ، درج رصد الذيل 2006

ــ  روح وريحان في شمائل النبي العدنان ، درج رمل الماية 2007

ــ  رشف شهدي من رياض الجمال المحمدي ، درج الزريكة 2009

6ـ  لمزيد تفصيل حول علامات هذه المغربة ، راجع فتح الأنوار قسم الدراسة ص 130 ـ 131

7ـ  راجع فتح الأنوار ، قسم الدراسة ، ص 98 ـ 109

8ـ  ديوان أبي الحسن الششتري ص 79

9ـ نفسه ص 368

10ـ  ديوان أبي مدين الغوث ص 121

11ـ  عمر بن الفارض ، تحقيق عبد الخالق محمود ، القاهرة 1984 ، ص 330 . راجع شرح البيتين في كل من :

ــ شرح ديوان ابن الفارض ، حسن البوريني ، عبد الغني النابلسي ، جمع رشيد بن غالي ، دار إحياء الكتب العربية ، مكتبات الكليات الأزهرية ، القاهرة 1389 ، 2 / 193 ـ 194 ـ شرح خمريات ابن الفارض ، أحمد بن عجيبة ضمن سلسلات نورانية فريدة من تأليف سيدي أحمد بن عجيبة ، جمع وتقديم العمراني الخالدي عبد السلام ، مكتبة الرشاد 1994 ، ص 92 ـ 93

12ـ  ديوان الحقائق ومجموع الرقائق ، عبد الغني النابلسي ، دار الجيل ، بيروت 1986 ، ص 228 . وفيه بعض لاختلافات في الرواية .والمثبت أعلاه هو  السائد والمتداول بين صوفية ومسمعي أهل المغرب ، سواء في الإنشاد او التقييد .

13ـ  نفسه ص 333

يكتب عبد الغني النابلسي في شرح هذين البيتين : "والمعنى أن الوجود الحق يتجلى له وينكشف لذاته في وقت السماع وطيب الألحان بصورة الصوت المطرب لأنه تعين من جملة التعينات التي عينها الوجود الحق فظهرت به وظهر بها من حيث أسماؤه الحسنى وصافته العلا وذاته غائبة لكمال تنزهها عن الاكوان ، ومحوها وإفنائها لكل ما هو كائن أو كان" ، شرح ديوان ابن الفارض ، 2 / 73

14ـ  للوقوف على أبعاد حضور السماع في شعر الشيخ النابلسي ، راجع : العارف عبد الغني النابلسي ، حياته وشعره ، أحمد مطلوب ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 2004 ، ص 260 ـ 268

15ـ  فصل في ذلك أحمد الخليع في مداخلته غير المنشورة "السماع عند ابن عربي وكبار الصوفية" في ندوة " ابن عربي والسماع" بطنجة  ولتي عقدت بتاريخ 26 / 06 /2004

16ـ  أحمد المقري التلمساني ، تحقيق : إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت ، 1997 ، 3/126

17ـ  موسيقى المغرب العربي ـ المراحل التاريخية والخصوصيات الفنية . محمود قطاط ، ضمن ندوة التراث الموسيقي العربي ، المدرسة المغاربية الأندلسية ، إعداد وتقديم محمد قطاط ، المجمع العربي الموسيقي ، عمان 2001 ، ص 26 .

18ـ  صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر العسقلاني ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 2 / 1997 ، كتاب الدعوات ، باب لله مائة اسم غير واحد ، الحديث رقم 6410 .

19ـ  الفتوحات المكية : 7/404

20ـ  لطائف الإشارات ، عبد الكريم القشيري ، تحقيق ابراهيم بسيوني ، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ، ط 2 / 1983 ، 6/17

لا توجد تعليقات
ضع بصمتك و أثري الموضوع بنقاش رائع :)