موسيقى المديح والسماع 2

موسيقى المديح والسماع  2
ممتازة 1 ممتازة الثلاثاء 30 شتنبر 2014 ممتازة 0 لا يوجد تعليقات

وتشكل هذه المستعملات في مغرب اليوم جماع ديوان الإنشادات الغنائية التي يمكن من أجل مقاربتها تقسيمها إلى قسمين هما:
1- المديح: ويراد به مقطعات شعرية مديحية منتخبة يرجعها أهل الذكر المزمزمون بالرقيق من كلام المتصوفة.
2- السماع: ويراد به القصائد المديحية المطولة كبردة البوصيري وهمزيته، وكألفية ابن رشد البغدادي، والمنفرجة لابن النحوي.
ولعناية المغاربة بفن المديح والسماع فقد عمدوا إلى تأليف مجاميع هي عبارة عن دواوين جمعوا فيها القصائد المولديات وغيرها من المقطعات الشعرية الموزونة والملحونة والموشحة مما يتغنى به المسمعون، وراعوا في ترتيب أشعارها وتبويبها طبوع الموسيقى الأندلسية المستعملة في أوساط أرباب السماع.
ومن هذه المجاميع:
- ديوان الأمداح النبوية وذكر الطبوع وبيان تعلقها بالطبائع الأربعة لأبي العباس أحمد بن محمد بن العربي أحضري الذي كان حيا أواخر المائة الثانية عشرة هـ. وقد جمع فيه ما اهتدى إليه من القصائد والمقطعات المولدية، وأكثرها من الشعر الموزون، وجعل كل واحدة منها مع ما يناسبها من الطبوع التي حصرها في ثلاثة عشر طبعا(1)
- فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار للحاج محمد بن العربي الدلائي الرباطي المتوفى سنة 1285 هـ. وفيه جمع ما ينشده المسمعون في مجالس الأمداح النبوية، ورتبها في واحد وعشرين طبعا تخرج ثلاثة منها عما تضمنته شجرة الطبوع عند محمد بن الحسين الحايك(2).
- استنزال الرحمات بإنشاد بردة المديح بالنغمات، لأبي عبد الله محمد العابد بن أحمد ابن سودة الفاسي المتوفى سنة 1359 هـ /1940 م. ويتضمن المجموع قصيدة البردة والقصائد والموشحات والأزجال والهمزية، وكلها مرتبة في ثلاثة عشر طبعا.
ونضيف إلى هذه المجاميع ثلاثا لا تعرف أسماء واضعيها وإن يكن غالب الظن أنهم من رجال القرن الثالث عشر هـ وهذه المجاميع هي:(3).


- البستان البهيج الرائق في أمداح أشرف الخلائق صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
- مجموع الأنوار ومتابع الأسرار في مدح النبي المختار صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
- بستان الأنوار ونفحة الأزهار في مدح النبي المختار.
وتدل غزارة المجاميع التي وضعها المغاربة في هذا المجال على عظيم عنايتهم بفن المديح والسماع، وذلك على الرغم من شدة جدل فقهاء المغرب حول السماع وتشدد بعضهم فيه بسبب ذهاب الإمام مالك إلى القول بكراهيته.
وتنطوي هذه المجاميع على أهمية فنية صرفة تتمثل في التعريف بالطبوع التي كان استعمالها متداولا في عهود واضعيها إضافة إلى أهميتها من الوجهة الأدبية البحتة التي تتمثل في احتوائها على عدد وافر من القصائد والموشحات والأزجال والبراول، وهو أمر يحولها إلى مصدر من مصادر التعرف على بعض ما أبدعه غير قليل من شعراء المغرب في غرض المديح النبوي.
وإلى جانب ذلك تُنوِّه بعض المجاميع بما للسماع من أثر بليغ في النفوس، وفي ذلك يورد الدلائي في مقدمة مجموعة هذه المقولة: "اعلم أن للأرواح ارتباطا بالسماع والنغمات من حيث هي، وذلك ـ والله أعلم ـ أن الروح لما أريد دخولها في الجسد عولجت بالطرب والنغم، فبقيت تحن إليها دائما. وقد قيل: إن الأرواح لما خاطبها الحق سبحانه وتعالى في عالم الدر بقوله سبحانه: (ألست بربكم؟ قالوا بلى!) فبقى ذلك الخطاب ساريا فيها، فكلما سمعت صوتا حسنا أو شيئا مستحسنا إلا وتعلقت به ومالت إليه وتذكرت به لذيذ الخطاب، فيحصل لها الوجد والطرب، والله تعالى أعلم".
تعتبر مجاميع الأشعار المديحية والقصائد المولديات بمثابة برامج فنية يسير المادحون والمستمعون على هديها في حلقاتهم. ومن أجل ذلك فقد اتخذوا لهم مراكز معينة مبثوثة في كثير.من مدن المغرب، يتناشدون فيها الأشعار وفق الترتيب الوارد في المجاميع، ويتدرجون في تحليتها بالنغم والطبوع بحسب التسلسل الذي ارتضاهُ واضعوها.
وهكذا نشأت هنا وهناك مراكز فنِّ السماع، وأصبح لكل مركز أتباعه ومريدوه. وقد أشار التادلي في معرض وصفه لذكر بعض مراكز السماع التي كان المنشدون يتجمعون فيها، ومنها بفاس: زاوية الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي في صباح عيد المولد النبوي، وزاوية سيدي ابن عباد داخل باب الفتوح في كل جمعة بعد العصر، ومشهد سيدي علي بوغالب قرب باب الفتوح في صباح كل أربعاء. ومنها بتطوان: الزاوية الريسونية في عصر كل جمعة. وبالرباط: بيت شيخ الجماعة القاضي سيدي صالح الحكماوي، وزاوية مولاي العربي الدرقاوي.
وقد كان أرباب هذه الزاوية يتنافسون في خدمة فن السماع، فيحملون أتباعها على حفظ المستعملات الشعرية واستيعاب نغماتها عن طريق التلقين، بل لقد استطاع بعضهم القيام بإنجازات فنية أسهمت في ترقية الفن الموسيقي بالمغرب. ومن أعظم هذه الإنجازات اقتراح كبير الزاوية الفاسية أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي المتوفى سنة 1164 هـ تخصيص طبع رمل الماية بأشعار المديح النبوي. وقد تبنت زوايا فاس هذا الاقتراح، وحتى إذا حلت سنة 1305 هـ، عمدت لجنة من رجال الفن كان قد أنشاها محمد بن العربي الجامعي وزير السلطان المجاهد الحسن الأول لمراجعة كناش الحايك الذي هو ديوان مستعملات الموسيقى الأندلسية إلى استبدال أشعار نوبة رمل الماية الغزلية والوصفية بأخرى في موضوع المديح النبوي، متبنية بذلك صنيع رجال الزاوية الفاسية في منتصف القرن الثاني عشرالهجري.
وقد تلت هذه المبادرة أخرى لا تقل عنها جرأة بمدينة تطوان على يد أحد نوابغها في الموسيقى هو "السيد" عبد السلام بن علي ريسون الحسني المتوفى عام 1290 هـ الذي أدخل أشعار المولد المديحية في سائر نوبات "الآلة الأندلسية" مستعيضا بها عن أشعار الغزل والخمريات.
من هنا ندرك فضل الزاوية في تخريج مهرة الحفاظ المنشدين، كما ندرك عظم دورها في تطوير فن المديح والسماع والحفاظ على تقاليد أدائه. فلا عجب أن تكون موطن ابتكار "ميزان الدرج" بأشعاره الفصيحة والموشحة والملحونة، وهو ابتكار يكشف عن طاقات خارقة في تأليف الألحان وإبداع أنساق إيقاعية جديدة أضفت على فن المديح والسماع مزيدا من التدفق.
ولقد أفضى ترتيب أشعار المديح والسماع في مجاميع خاصة إلى انبثاق أنساق في الأداء يتحكم في طبيعتها الترتيب التي صنفت فيه الطبوع الموسيقية حتى غدا كل نسق يشكل نهجا مستقلا بنفسه، ومن ثم ظهر النسق الفاسي الذي يعكس طريقة الزاوية الفاسية التقليدية التي تستمد أصولها من كتاب "استنزال الرحمات" لمحمد العابد ابن سودة، كما ظهر النسق الرباطي الذي يعكس طريقة الزاوية الدلائية بهذه المدينة ويستمد قواعده من مجموعي محمد بن العربي أحضري ومحمد بن العربي الدلائي.
ويقوم النسقان على تقسيم قصيدة البردة إلى حصص بعدد الطبوع، فتنشد الحصة الأولى على طبع معين، وينشد بعدها على نفس الطبوع ما يتبعها من "البيتين" والموشحات والأزجال وحصة الهمزية، وهكذا في الحصة الأولى على طبع معين، وينشد بعدها على نفس الطبوع ما يتبعها من "البيتين" والموشحات والأزجال وحصة الهمزية، وهكذا في الحصة الثانية وما بعدها إلى حين استيفاء سائر طبوع حصص البردة وتوابعها.
وفيما تتوالى في الاستعمال الفاسي ثلاث عشرة حصة موزعة بين ثلاث عشر طبعا، تتعاقب في الاستعمال الرباطي عند الدلائي خاصة إحدى وعشرون حصة موزعة بين واحد وعشرين طبعا.
وفيما ترتكز مستعملات النهج الفاسي التقليدي على الطبوع الأساسية لنوبات الموسيقى الأندلسية الإحدى عشرة، ولا تتجاوزها إلا إلى طبعتين هما الصيكة والغريبة المحررة، فإن النهج الدلائي يعتمد سائر الطبوع التي تشاد عليها نوبات الموسيقى الأندلسية الأساسية منها والملحقة بها، ولا يستثني غير ستة طبوع هي الزيدان، والحسين، وانقلاب الرمل، والغريبة المحررة، والزوركند، ومجنب الذيل؛ ولكنه في مقابل ذلك المجال للتعامل مع ثلاثة طبوع هي مما لا تحتويه شجرة الطبوع المغربية التقليدية، وهي الصيكة، وانقلاب الصيكة والجركة.
وقد اعترى النهجين المذكورين بعض التغيير، لتستقر عادة المسمعين اليوم على تبني نهج جديد في تركيب الحصص يعتمد على التجول عبد الستار طبوع الموسيقى الأندلسية ـ وعددها أربع وعشرون حسب محمد بن الحسين الحايك ـ بل إنه يتجاوزها إلى استخدام طبوع أخرى كالجاركة، والعجم.
وإلى جانب ما تحفل به مناسبة المولد النبوي من إنشاد للأشعار المديحية على الألحان الموسيقية كما رأينا، فلقد عنوا بقراءة الموالد، وهي قصص منثورة ألفت في مناسبة المولد النبوي، وتتناول ولادة الرسول عليه الصلاة والسلام وما أحاط بهذا الحدث العظيم من كرامات ونبوءات وخوارق وعلامات تمهد لنبوءته.



وقد تعددت نصوص المولد فعد ما ألفه المغاربة دون غيرهم فبلغ عند محمد الباقر الكتاني خمسين مولدا ساق أسماءها جميعا في كتابه "روضات الجنات في مولد خاتم الرسالات"(4). وتتم قراءة الموالد وفق طريقة منغمة، وهي ما يعرف في المشرق العربي باسم "المنقبة النبوية". والعادة أن يكون إنشاد قصة المولد وفق أسلوب يمتزج فيه الإنشاد الفردي بالإنشاد الجماعي.
أما الإنشاد الفردي فيستغرق أغلب أجزاء المولد، ويضطلع به في العادة مقرئ جهير الصوت، قوي النبرات حسن مخارج الحروف، قادر على الارتفاع بصوته إلى النغمات الصادحة، وذلك على لحن موسيقى رتيب، يكرر مع كل فقرة، فيمتد نفسه بامتداد العبارة، ويقصر بقصرها، ولكنه لا يخرج عن الطبع الموسيقي الذي انطلق منه المنشد في البداية. على أن مهرة المنشدين دأبوا على تغيير الطبع الموسيقي كلما انتقلوا إلى فقرة جديدة.
أما الإنشاد الجماعي فيأتي في مواقع معينة من قصة المولد. وهي التالية:
1- ديباجة المولد، ونصها بعد الافتتاح بالبسملة كالآتي: "عطر اللهم مجالسنا بأعطر صلاة وأطيب تسليم على أكمل مولود وأجل مودود. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله، واجعلنا يا مولانا من أعظم مخصوصين لديه متعلقين بأذياله".ويعتبر هذا الدعاء بمثابة لازمة تعاد تلاوتها من طرف المجموعة في مواقع متعددة من نص المولد. والعادة أن يجنح المنشدون في أدائه نحو البطء قليلا.
2- التصلية، وصيغتها كالآتي: صلى الله على محمد، وعلى آله وسلم، وهي تتوارد في مواقع عدة من سرد المولد، غير أنها في المواقع الثلاثة الأولى تعاد مرتين يفصل بينهما إنشاد جماعي لمقطوعة مديحية من قبيل التي استقبل بها الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم يوم مقدمه إلى المدينة. وأولها:
طـــلــــع البـــــــــــدر عليــــنــــــا *** مـــــن ثنيــــــات الـــــــــوداع
3- بيت شعر مفرد مأخوذ من قصيدة مولدية لابن الصباغ الجذامي هو:
وقوفا على الأقدام في حـــــق سيـد *** تعظمه الأملاك والجن والإنس
وقد تواضع المسمعون على ترجيع هذا البيت عدة مرات إيذانا بالفقرة الختامية للمولد.
وفي هذه الخاتمة ينتقل المسمعون إلى إنشاد جواري يتجاوب فيه القارئ المنفرد مع المجموعة، فيضطلع الأول بقراءة تسليمات تتجدد صيغتها، وتضطلع المجموعة بترجيع تصلية لا تتغير صيغتها "صلى الله عليك وعلى آلك وسلم". ويجرى ذلك الحوار في تساوق وتجانس ثم يعلن المنشد عن ختم قصة المولد بالتسليم التالي: السلام عليك بكل سلام أوجده الله.
ولم يكن رجال المديح يجدون أي حرج في الوجد والغناء عند احتفالهم بالمولد النبوي، فلقد جاء في تحفة الأكابر "أن سيدي عبد القادر الفاسي كان لا يمنع في الفرح بالمولد النبوي والجناب العاطر المصطفوي من الرقص والشطح" غير أن ذلك لم يكن يعدم من يناهضه، ويرى فيه بدعة تخالف الدين، ولعل أشد المناهضين ابن الحاج صاحب "المدخل" فقد ذكر أن عمل المولد بدعة، وإن سلم من الآفات الشرعية، فكيف به معها، بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا الناس إلى اتخاذ شهر ربيع الأول مناسبة للتأسي والحزن.
ويأتي فتح الله البناني في كتابه "فتح الله في مولد خير خلق الله" فيعرف بالغناء المباح في المولد. وكأنما يريد أن يكبح جماع المفرطين في مظاهر الاحتفال مما هو محظور شرعا فيقول: (5)
وارفض سماع كــل غــر منشــــد *** بوصف حسناء ووصف أمـــــردِ
واهرب تفزْ من صوت هذا الوغـــد
وكما ذكرنا قبل فإن فن المديح يعتمد على الطبوع الأندلسية المغربية اعتمادا كليا، غير أن طبع "رمل الماية" يبقى أفضل هذه الطبوع وأكثرها استعمالا. وقد ذهب المرحوم محمد الفاسي في تبرير ذلك بكون نوبة رمل الماية أقدر على استجلاء معاني التعظيم والجلال التي تليق بشخص الرسول الأعظم، وأن "نغماتها أنسب نغمات الموسيقى للتعبير عما يكنه المسلم المخلص من تقدير وإجلال لمقام الرسول عليه السلام"(6). على أن هناك من المنشدين من يجنحون إلى استعمال بعض النغمات المشرقية ذات أرباع النغمات ينتقلون إليها انتقالا ذكيا من إحدى النغمات الأندلسية فيشدون عليها بعض المواويل، ثم يعودون في رفق إلى النغمة الأندلسية.

الهوامش:
(1) - مخطوط في ملك الأستاذ محمد المنوني.
(2) - مخ. خ ع. رقم 3285 د.
(3) - محمد المنوني. مج البحث العلمي، ع 14 و15، س 6. يناير – دجنبر 1969، ص: 167.
(4) - مط: الأمنية، بالرباط، 1295/1875.
(5) - فتح الله البناني، المرجع السابق، ص: 151.
(6) - مج تطوان: ع 7، 1962 م، ص: 25.

لا توجد تعليقات
ضع بصمتك و أثري الموضوع بنقاش رائع :)