المديح النبوي والسماع الصوفي بالمغرب

المديح النبوي والسماع الصوفي بالمغرب
ممتازة 1 ممتازة الأربعاء 19 نوفنبر 2014 ممتازة 0 لا يوجد تعليقات

المديح النبوي والسماع الصوفي بالمغرب

ذ. عبد السلام الخلوفي

تقديم:

لا شك أن بداية المديح النبوي ، كانت مع انبثاق الدعوة الإسلامية ، ولعل أولى النصوص الإنشادية التي تتبادر إلى أذهاننا ، في هذا الصدد ، ما استقبل به بنو النجار والأنصار، الرسول ( ص ) عند حلوله بيثرب ، المدينة المنورة  :

طـلـــع الـبــدر علينا          من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا          مــا دعــــا لله داع

 

 

وفي سيرة ابن هشام أن النبي ( ص ) لما نزل على أبي أيوب الأنصاري في المدينة ، أمر ببناء مسجده " قباء " وهو أول مسجد بني في الإسلام ، كان يشارك بنفسه ، فلما رآه بعض الصحابة يعمل بهمة ونشاط في حفر الأساس ونقل الأحجار ، بينما خلد بعضهم للراحة بعد تعب ، فبدؤوا يرددون :

لـئــن قـعــــدنـــا والـنـبـــي يـعـــمــل          لــــــذاك مـــن الـعـمـــل المـضلـل

 

فقام الصحابة من فورهم لمتابعة البناء وهم ينشدون نوعا من الرجز :

اللهــم لا خيـر إلا خيـر الآخــرة          اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة

 

وفي غزوة الأحزاب عندما كان الصحابة يحفرون الخندق ، كانوا ينشدون الأراجيز لحث بعضهم البعض على العمل ، والرسول الأكرم ( ص ) يشاركهم ، وهم يرددون من شعر الصحابي عبد الله بن رواحة :

تـــالله لـــــولا الله مـــا اهــتــدينـــا          ولا تـصـــدقــنـــــــا ولا صـلـيـنــــا

فـــأنــــزلــــن ســـكـــيــنــة عــلينــا          وثأبــت الأقــــــــدام إن لاقـــيـــنــــا

إن الألــــى قــــد بــغـــــوا عــلينــا          إذا أرادوا فـــتـــنـــــــــــة أبـــيـــنــــا

 

 

ونحن نتحدث عن بدايات الإسلام ، لايمكن إغفال ذكر شعراء ، شكلت نصوصهم معينا لا ينضب لهذا الفن ، أي المديح النبوي ، في القديم كما في الحديث ، وكنا قد ذكرنا ما تغني به أثناء حفر الخندق من شعر عبد الله بن رواحة ، ونذكر  من شعره كذلك  :

روحي الفداء لمن أخلاقه شهدت          بـأنه خيـــر مولـــود مـــن البــشــر

عمـت فضائله كـل العباد كما عم          البرية ضـــوء الشــمـــس والقــمــر

 

 

ومما يجري على ألسنة المنشدين ، إلى يوم الناس هذا، ما قاله حسان بن ثابت لما بعثه قومه لهجاء محمد ( ص):

لـــمـــا نــظــــرت إلـــى أنــواره سـطـعــت          وضعت مـن خيفة كفي على بصري

خوفا على بصري من حسن صورته          فـلــســـت أنـــظـــــره إلا عــــــلـــى قـــــدر

الأنــوار مــن نــوره فــي نــوره غـرقـت          والوجـه منـه طلـوع الشمـس والقمــر

 

 

ومما هو شائع كذلك بين المادحين من شعر حسان بن ثابت قوله  :

شــق لــه مــن اســـمـــه كــــي يــجـلـــه          فــــذو العـــــرش محمــــود وهذا محمد

نــبـــي أتــانـــــا بـــعــــد يــــأس وفــتـــرة          مـن الرسل والأوثان فـي الأرض تعبـد

فــأمســى سـراجــا مستنيــــرا وهــاديــــا          يـلـــوح كــمــــــا لاح الصـقــيــــل المهند

 

 

ولا يمكننا إغفال ذكر كعب بن مالك ، وكعب بن زهير ، ومعلوم أن هذا الأخير كان قد هجا الرسول عندما دعاه أخوه بجير للدخول في الإسلام  فأهدر الرسول دمه ، وما لبث أن جاء الرسول تائبا مسلما منشدا إياه قصيدته " البردة " والتي مطلعها :

بانت سعاد فقلبـي اليـوم متبول          مـتــيــــم إثــرهـــا لـــم يـفــــد مكــبــول

 

مقدما اعتذاره  إذ يقول   : 

نـبـئـــت أن رســـول الله أوعدني          والعفـو عنــد رســـول الله مـأمـــول

وقـــد أتــيـــت رسـول الله معتــذرا          والعــذر عنـد رســـول الله مقـبـــول

 

وما ينفك أن يمدح الرسول ( ص) في قوله   :

إن الرسول لنور يستضيء به          مـهـنــد مــن سـيــوف الله مـسـلــول

 

ويعرج على الهجرة النبوية في قوله  :

في فتية من قريش قال قائلهم          ببـطــن مـكــة لـمــا أسلـمــوا زولــــوا

 

ثم يمدح أصحاب النبي ( ص ) مرددا   :

شــم العرانيـن أبطــال لبوسهــم          من نسج داوود في الهيجا سرابيل

لا يفـرحــون إذا نالــت رماحهم          قومــا وليـســوا مجازيعـــا إذا نيلــوا

لا يقع الطعـن إلا فـي نحـورهم          ومالهم عـن حيـاض المـوت تهليل

 

المديح النبوي والسماع الصوفي بالمغرب:

إن الحديث عن مديح نبوي مغربي ، حسب الدكتور عباس الجيراري ، هو حديث عن قصائد يمكن الإلحاح على ريادتها في هذا الغرض ، وإرهاصها باكتمال فني ، ويذكر الدكتور الجيراري في هذا الصدد القصيدة " الشقراطيسية " المنسوبة إلى أبي محمد عبد الله بن يحي الشقراطيسي التوزري المتوفى سنة ستة وستين وأربعمائة  للهجرة ومطلعها  :

الحـمــد لله منــــا باعــث الرســـــل          هـــدى بأحـمــــــد مـنـــا أحـمـد السـبـل

 

ويذكر الدكتور عباس الجيراري أيضا القصيدة المسماة " معراج المناقب ومنهاج الحسب الثاقب" لأبي عبد الله بن أبي الخصال المتوفى عام أربعين وخمسمائة للهجرة ومطلعها  :

إليـــك فهـمـي والــفـــؤاد بيــثـــرب          وإن عاقني عن مطلع الوحي مغربي

 

ويشير الدكتور عباس الجيراري في معرض تقديمه لكتاب " قصيدة البردة " من إعداد وتنسيق شيخ المادحين الراحل سيدي عبد اللطيف بنمنصور ، إلى كون المديح النبوي شهد ألقه الفني على إثر ارتباطه بالتيار الصوفي في القرن السابع الهجري ، لا سيما مع ظهور مدرسة وصفها بالمغربية في مصر ، برز من أعلامها أبو العباس المرسي تلميذ أبي الحسن الشاذلي الذي تتلمذ بدوره على يد مولاي عبد السلام بن مشيش دفين جبل العلم ، وغني عن البيان أن أبا العباس المرسي تتلمذ عليه شرف الدين البوصيري المصري مولدا والمغربي أصلا إذ ينتمي إلى قبيلة صنهاجة ، والذي أصبحت قصيدته البردة أو البرءة عمدة السماع في المغرب.

ومما يشار إليه في هذا القرن أي السابع الهجري ، احتفال أسرة العزفيين بسبتة بالمولد النبوي الشريف إذ أن أمير سبتة أبا القاسم محمد العزفي عمل على تحقيق دعوة والده لهذا الاحتفال ، حيث أن هذا الأخير أبا العباس لم يرقه أن يحتفل المسلمون بأعياد النصارى ، فوجه العناية إلى الاهتمام بمولد سيد الخلق محمد ( ص).

وأتم أبو القاسم العزفي كتاب والده أبي العباس " الدر المنظم في مولد النبي المعظم " وأهدى نسخة منه للخليفة الموحدي عمر المرتضى ، الذي أصبح يحتفل بدوره بليلة المولد بمراكش.

وفي عهد بني مرين أصبح الاحتفال بالمولد النبوي رسميا ، خاصة مع أبي الحسن المريني وأبنائه  أبي عنان وأبي سالم وأبي فارس الأول ، ويصف ابن مرزوق في " المسند الصحيح الحسن " الاحتفال بقوله : " فإذا استوت المجالس وساد الصمت ، قام قارئ فرتل حصة من القرآن الكريم ، ويتلوه عميد المنشدين فيؤدي بعض نوبته ". ومن عناية المرينيين بالمولد سك أبي عنان لدينار ذهبي كبير يقدمه هدية لإحدى الشخصيات الزائرة بمناسبة المولد.

وتجدر الإشارة أن الاحتفال بالمولد النبوي، شاع في بلاد الغرب الإسلامي مع بني زيان في تلمسان على عهد السلطان أبي حمو موسى الثاني ، وأسرة الحفصيين بتونس ، وفي الأندلس كذلك انطلاقا من القرن الثامن للهجرة ، وكنا قد أشرنا إلى إقامة الخليفة الموحدي عمر المرتضى لليلة المولد بمراكش ، وهي ليلة وصفتها المصادر بكونها " يفيض فيها الخير والإنعام "

أنشد في إحداها الأديب أحمد بن الصباغ الجذامي الأندلسي ، قصيدته المدحية  :

تنـعـــم بذكــر الهـاشـمــي محــمـــد          ففـي ذكـره العيـش المهنأ والأنس

أيا شاديـا يشدو بأمــداح أحــمـــد          سمـاعـك طـيـب ليـس يعقبه نكس

فــكـــرر رعـــاك الله ذكــر محــمـــد          فقد لذت الأرواح وارتاحت النفس

 

وفي هذه القصيدة البيت الذي ينشد في سرد الموالد ، ويقف المادحون أثناء أدائه قائلين  :

وقوفا على الأقدام في حق سيد          تعظمــه الأمـلاك والـجـــن والإنس

 

وتجدر الإشارة كذلك، إلى أنه بين نهاية عصر الموحدين وبداية عهد المرينيين عاش مجموعة من الشعراء في المغرب والمشرق والأندلس ، كانت متونهم الشعرية مرتعا خصبا لأرباب المديح والسماع في المغرب ، تكفي الإشارة لأبي الحسن الششتري وعمر ابن الفارض والإمام البوصيري وأبي مدين الغوث، ومحي الدين بن عربي، ومالك بن المرحل ولسان الدين بن الخطيب، الذي يقول :

 

محمد خير مـخـلــوق سما خلقــــا          وساد خلقـا فمن في الخلق يحكيه

من قبل نشـأتــه الرحمان شرفــــه          وبـالشفـاعــة يــوم العــرض يرضيه

وغيرهم كثير  

على عهد السعديين:

من المعروف أن وصول السعديين لسدة الحكم ، كان منطلقه جهادهم ضد البرتغاليين المحتلين للثغور البحرية المغربية ، ومعروف أيضا مساعدة الزاوية الجزولية المنحدرة من الطريقة الشاذلية للسعديين ، وهم من أصل عربي ونسب شريف ، وغير خاف دور الزاوية الدلائية في إنعاش الحياة الثقافية في المغرب في ذلكم العصر ، وقد أسسها الشيخ أبو بكر بن محمد بن سعيد المتوفى عام 1021 ه ، وذلك في بلدة الدلاء قرب مدينة خنيفرة ، وعرف عن محمد بن أبي بكر الدلائي ، ابن مؤسس الزاوية افتتانه بالسماع وأنغامه ، حتى لامه شيخه أحمد بن القاضي بقوله   :

عـهـدتــك مـا تصـبــــــو وفــيــك شـيـبـــــة          فمالك بعد الشيب أصبحت صابيـــا

 

فرد عليه الدلائي بقوله   :

نعم لاح برق الحسن فاختطف الحشا          فلبيتــه مــن بعــــــد مــا كــان آبـيــــا

 

ويورد عبد العزيز الفشتالي وصفا وافيا لاحتفال احمد المنصور السعدي بليلة المولد ، في كتابه مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا قائلا   :

" فإذا استوى الورود واصطفت الصفوف ، تقدم أهل الذكر والإنشاد ، واندفع القوم لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة في مدائح النبي الكريم ( ص) يخصها اصطلاح العزف بالمولديات نسبة إلى المولد النبوي الكريم " إلى أن يقول  :

" فإذا أخذت النفوس حظها من الاستمتاع بألحان المولديات الكريمة تقدم أهل الذكر المزمزمون بالرقيق من كلام الشيخ أبي الحسن الششتري ، وكلام القوم من المتصوفة أهل الرقائق ، كل ذلك تتخلله نوبات المنشدين للبيتين من نفس الشعر ، يتحينون به المناسبة بينه وبين ما يتلى من كلام ".

ولعلنا نستنتج من وصف عبد العزيز الفشتالي (956/ 1031ه)، الذي نال من الحظوة من طرف أحمد المنصور، ما جعله يقول عنه: " نفخر به على ملوك الأرض ونباري به لسان الدين بن الخطيب "، وقد كان وزيرا للمنصور، نستنتج ملامح واضحة، لكيفية إحياء ليلة المولد، على عهد السعديين، إذ البدء بالمديح النبوي، من خلال سرد المولديات، ثم الانتقال إلى السماع الصوفي، كما نجد في هذا الوصف حديثا عن إنشاد البيتين، وهو نوع من أنواع الإنشادات، يستعمل في طرب الآلة كما في المديح والسماع، سنأتي على توضيحه لاحقا. كما يطالعنا في هذا الوصف، مصطلحا تقنيا في مجال المديح والسماع، هو مصطلح "المناسبة"، سنفصل فيه الحديث عن الجانب الاصطلاحي في هذا المجال.

 

على عهد العلويين:

بعد أن شهد المغرب اضطرابا نهاية حكم السعديين ، خاصة بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي واقتتال أبنائه على السلطة ، قيض الله لهذا البلد الأمين مولاي علي الشريف لكي يحمل السلاح للم الصف وتوحيد البلاد ، الأمر الذي سيتحقق خاصة على يد ثلاثة من أبنائه مولاي أمحمد ومولاي رشيد والمولى إسماعيل ، وهكذا عرف فن المديح والسماع على عهد العلويين منذ نشأة الدولة ازدهارا ، عكسته تآليف عديدة سواء تلك الباحثة في مسألة إباحته وتحريمه أو تلك المتعلقة بطبوعه وأنغامه أو الجامعة لأشعاره ومستعملاته ، نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر لكتاب " فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار " لمحمد بن العربي الدلائي الرباطي المتوفى عام 1869 م .

وتذكر المصادر أن المولى محمد بن عبد الرحمن لما فرغ من بناء قصره الجديد وهو البلاط الحالي في المشور السعيد ، أقام حفلا بديعا دعا له المسمعين المطربين من العدوتين ، ويصف عبد الرحمن بن زيدان في كتابه " إتحاف أعلام الناس " ليلة المولد في حضرة المولى الحسن الأول بقوله :

" فإذا دخل السلطان استدعى المنشدين و أجلسهم أمامه ، ويتناول مجموعا مزخرفا مشتملا على البردة والهمزية وغيرهما من الأمداح النبوية بأطيب نغمة وأحسن تخليل ، فإذا حان وقوفه على قول البوصيري  :

الأمان  الأمان  ، نهض السلطان وتوقف المنشدون عن الإنشاد ، حتى إذا حان وقت الفجر من الليلة التالية عاد المنشدون وابتدأوا من حيث انتهوا "

 

عبد السلام الخلوفي

أستاذ التراث الموسيقي المغربي بالمركز الجهوي

لمهـن التربية والتكوين بالرباط

لا توجد تعليقات
ضع بصمتك و أثري الموضوع بنقاش رائع :)