الوظائف الروحية لفن السماع في المجتمع المغربي

الوظائف الروحية لفن السماع في المجتمع المغربي
ممتازة 1 ممتازة الثلاثاء 30 شتنبر 2014 ممتازة 0 لا يوجد تعليقات

الوظائف الروحية لفن السماع في المجتمع المغربي

إلماعات أولية

 

الدكتور محمد التهامي الحراق

أستاذ باحث ـ الرباط


 

يسعى هذا العرض الوجيز إلى الإسهام في إضاءة موضوع له بالأفق الروحي للمجتمع المغربي أكثر من علاقة وصلة ، إنه وجه من أوجه الذكر والاجتماعات الدينية التي تعلق بها المغاربة في محافلهم الخاصة والعامة ، ومحضوها من العناية والرعاية ، تأصيلا وتأليفا وإبداعا وإحياء ووجدا وتواجدا ، ما لا يخفى عن كل منصف وذي بصيرة , ويتعلق الأمر بما يعرف في ثقافتنا بـ ” فن السماع ” . ومناط تناولنا لهذا الموضوع الرحب ، الممتدة أطرافه وأوصاله بين الفقه والتصوف والأدب والموسيقى ، سينحصر في تقديم بعض الإلماعات عن مفهوم فن السماع ، ووظائفه الروحية من خلال رصد طبيعة حضور هذا الفن في المجتمع المغربي ، وتعيين بعض الأدوار الروحية التي يضطلع بها ، وكذا اقتراح نظرة مستقبلية للإمكانات التي يتيحها استثمار هذا الفن من أجل بلورة مناعة روحية تقينا عواصف عديدة تتهدد حياتنا المغربية المعاصرة .

 

1 ـ مفهوم ”فن السماع“ :

السماع فن مغربي أصيل يقوم على ترتيل الأشعار الدينية والصوفية ، قصائد كانت أم توشيحات أم أزجالا أم براول ، وفق الطبوع الأندلسية المغربية وأساليبها في التوقيع والغناء، واعتمادا الأصوات والحناجر ، وذلك بغية تحقيق غايات روحية تبلورت بشكل رئيس ، مع سن الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف ، وانتعاش الطرق والزوايا الصوفية . والسماع بهذا المعنى العام يضم تحت لوائه شقين : الشق الأول هو المديح النبوي الشريف ، ومتعلقه مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، وتمثله مختلف النصوص المديحية سواء كانت ـ مولديات ـ تتمحور حول إرهاصات وبشائر ولادة الرسول وسمو نسبه وشرف دوحته وما رافق مولده من معجزات وخوارق عادات ، أو ـ شمائليات ـ تتغنى بكمالات الرسول الخلقية وخلاله الخلقية ومعجزاته الظاهرة والباطنة ، أو ـ تصليات ـ مناطها الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وتمجيده ، أو ـ حجازيات ـ تتغنى بالأماكن المقدسة والمعاهد الحجازية فتتغزل فيها وتشوق إليها ، أو ـ استشفاعيات ـ مدارها التوسل بالرسول الأكرم وطلب الحضوة بشفاعته يوم العرض ، أو غيرها من نصوص المديح النبوي العام الذي لا يتقيد بغرض من هذه الأغراض ، وضمن هذا الحقل الدلالي الذي يميز شق المديح النبوي من السماع ، تندرج مطولات شهيرة تمثل الأغراض السالفة الذكر وتسبح في فلكها مثل *بردة* الإمام البوصيري  " تـ . 696 هـ / 1296 م "  و *همزيته *  ، ووتريات الإمام أبي بكر ابن رشيد الوتري البغدادي " تـ . 663 هـ / 1264 م " وتلحق بهذا الشق نصوص الابتهالات والغوثيات والتوسليات  وضمنها تندرج مثلا مطولات *الناصرية* للشيخ ابن ناصر الدرعي ، و*المنفرجة* للشيخ يوسف بن محمد التوزري المعروف بابن النحوي " تـ . 513 هـ / 1115 م " و *الفياشية* لصاحبها سيدي عثمان بن يحيى الشرفي ، والشهري بسيدي بهلول، وال\ي عاش بمدينة فاس على عهد السلطان المولى سليمان .

 

أما الشق الثاني من السماع فيتعلق فيتعلق بما يعرف *بكلام القوم* أو ما يسميه الشيخ محمد بن العربي الدلائي في رسالته فتح الأنوار بـ * السماع المجرد * .  ويتضمن نصوص القوم التي يعبرون بها عن مذاقاتهم ومواجيدهم وأسفارهم الروحية ، أكانت هذه النصوص في غرض   * المديح الولوي * ، أي تلك تقوم على مدح القوم وإبراز سجاياهم وطلب الحظوة بصحبتهم والاستصراخ بجاههم ، أم كانت نصوصا في  * المحبة الإلهية * ، أي تلك التي تبسط شروط هاته المحبة وأعراضها وأحوالها وآثارها ، أم نصوصا في التجليات التي يثمرها سلوك طريق القوم كما تعبر عن ذلك نصوص * الخمريات* و * تغزلات الحقيقة* ، أي تلك التي تتغزل بالخمرة الأزلية والأنثى الكلية ، أم كانت نصوصا في *المعارف* التي تعبر عن رقائق المعرفة الصوفية ، من *شهود الأحدية* و *وحدة الشهود* وغيرها مما يندرج ضمن ما ما يعرف لدى القوم بـ *التوحيد الخاص* ، وهي نصوص غالبا ما يتخللها بعد تربويتأهيلي للمريد الراغب في سلوك الطريق وخوض السفر الذوقي لمعرفة الحق .

و إلى جانب هذا التمايز الأدبي بين شقي السماع : المديح النبوي والسماع المجرد ، ثمة تمايز طربي بين الشقين ، ويتمثل في بعض الخصائص الفنية التي تسم وتشم كل قسم بملامح تخصه وتميزه عن القسم الآخر ، فالشقان معا وإن كانا يتقاطعان في كثير من الطبوع والإيقاعات ، فإنهما يتمايزان على مستوى أسلوب الإنشاد ، ذلك أن أسلوب غناء المديح النبوي يبقى أقرب إلى أسلوب طرب الآلة ، لاعتماد أرباب المديح أساسا على آلية القدود ، المتمثلة في نقل صنائع طرب الآلة من أشعار التشبيب والغزل ، ووصف الطبيعة ومجالس الأنس إلى أشعار المديح النبوي بمختلف أغراضها المحددة أعلاه ، بحيث يبدو المديح النوي في غالب الأحيان وكأنه وجه ديني لطرب الآلة ، فيما يتميز شق *السماع المجرد* بأناشيد ومرددات وهيللات ملحنة وفق أسلوب زاوياتي يستجيب لطقوس حلق الذكر ومقتضياتها الدلالية والفنية والمقاصدية ، ويقوم هذا الشق على أركان ثلاثة هي *الجلالة* المخللة بكلام القوم ، و*الحلل* وهي صيغ مخصوصة لذكر الهيللة والاسم المفرد محددة في عددها وترتيبها ونغمها ، ةتعتبر بمثابة مهاد للركن الثالث والذي يعرف بأسماء عديدة ، أبرزها تداولا بين الطرق الصوفية ذات المشرب الشاذلي اصطلاح *العمارة* ، وهي نوع من الذكر قياما يتحلق خلاله الذاكرون في شكل دائري لإنجاز رقصات صوفية وجدية مع ترديد جملة الذكر "الله حي" أو الاقتصار على الاسم المفرد "الله" وذلك بتناسق وتساوق وتناغم مع إنشاد المسمعين لمرددات القوم ومقتطعاتهم التي تتعلق بغرض من أغراض الصوفية المحددة آنفا .

ومع تسجيل هذا التمايز بين المديح النبوي والسماع المجرد ، فإن الشقين قد تفاعلا وتآثرا بحيث تأثر أرباب المديح بكثير من تلاحين وإيقاعات أرباب كلام القوم ، كما حصل العكس ، حتى أصبحنا أمام قدود في الاتجاهين ، وهو ما يمثل وجها من أوجه التفاعل بين المديح النبوي والسماع المجرد ، ويعضد الحديث عنهما ضمن إطار فني عام هو "السماع" .

إن هذه الإضاءة المفاهيمية تمكننا من الوقوف عند بعض خصائص فن السماع التي أهلته للاضطلاع بجم الوظائف الروحية ، والتي أسندت إلى شقيه معا.

 

2 ـ المديح النبوي وبعض أدواره الروحية :

يقول الشيخ الدلائي : " لما كانت محبة هذا النبي الكريم فرضا على الأعيان ، والصلاة والسلام عليه من أجل ما تلفظ به الإنسان ، وأمداحه وذكر أوصافه الجليلة من أفضل ما اعتنى به الإنسان ، لأن ذلك ذريعة ووسيلة إلى محبة الرحيم الرحمان ، هاجت أفئدة أقوام جذبتهم أيدي السعادة ، وأكرمهم الكريم بالحسنى وزيادة ، فاقتطفوا من رياض محاسنه بديع الأزهار، وقلدوا بها جيود الموشحات والأشعار ( ... ) واتخذوا لذلك طبوعا وألحانا ، ونغمات وأوزانا ، رغبة فيما يقوي محبة هذا النبي الكريم وتلذذا بذكر أوصاف حسنه الوسيم ، أذ الحب أصل المدح ، والمدح أصل الربح ، فلقد فاز المحبون ، واغتنم المادحون ، وخسر هنالك المبطلون " .

يفصح هذا النص بوضوح عن حقيقة ثابتة مفادها أن الحافز إلى الاعتناء بالمديح النبوي الشريف نظما وتنغيما ، هو محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والتعلق بجنابه ، ذلك أن مدح الرسول هو عنوان محبته ، وهذه المحبة شرط من شروط الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ، وفي رواية أخرى : " حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين " ومن علامات هذه المحبة الاقتداء بالمحبوب ، لأن المحب لمن يحب مطيع ، يقول سيدي فتح الله بناني ، ولمحبته صلى الله عليه وسلم علامات ، ودلائل واضحات ، منها ، وهو أعظمها ، الاقتداء به ، واستعمال سنته وسلوك طريقته ، والاهتداء بهديه وسيرته ، و الوقوف على على ما حده من شريعته . قال تعالى : "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعني يحببكم الله" ، وقال عليه الصلاة والسلام : من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة " ، وهو ما يعني أن محبة الرسول تقتضي التخلق بأخلاقه ، واتباعه في أقواله وأفعاله وتقريراته ، والعمل بسنته ، والتمسك بهديه ، وتعظيم آل بيته ، وصحابته وورثته من علماء الظاهر ، حملة لواء الشريعة ، وعلماء الباطن ، حملة لواء الولاية . الأمر الذي يجعل من فن مديحه عليه السلام ، بوصفه عنوانا لمحبته ومحفزا على التحقق بمقتضياتها ، أداة من أدوات ترسيخ القيم الإسلامية الحنفية التي تجسدها أكمل تجسيد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ،وسيرته المطهرة : يظهر هذا جليا فيما تتضمنه نصوص المديح من معان ودلالات وقيم ، فهذه النصوص ، كما سبق التفصيل ، إما تصليات على الرسول الأكرم ، والصلاة عليه فرض على الأعيان كما تدل على ذلك مجموعة من الآيات والأحاديث ، وإما استحضار لشمائله الخلقية وكمالاته الحسية ، وهي مدعاة لتشخيصه وحبه والتعلق به ، وإما استحضار لأخلاقه الكريمة ، وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه فقال في حقه : "وإنك لعلى خلق عظيم" وإما استشفاع به وتوسل بجاهه ، وهو الذي أرضاه ربه بعطية الشفاعة في الخلق يوم العرض ، وإما تعبير عن محبة آل بيته والتعلق بهم لقوله صلى الله عليه وسلم : " أحبوا أهل بيتي لحبي " . وخلال جميع النصوص المديحية التي تسبح في هذا الفلك الدلالي ، يتم استدعاء سيرة الرسول  المطهرة للوقوف على خواص الذات النبوية الشريفة ، وسجاياها في الدين والحياة ، ومسارها النموذجي في نشر الرسالة وإحقاق الحق والدعوة إلى التوحيد وتحقيق المثل الإسلامية العليا ، ويكفي التأمل في قصيدتي "البردة" و "الهمزية" البوصيريتين لنكتشف أننا إزاء سيرة نبوية منظومة في أبهى حبك وأزهى سبك .

أضف إلى ذلك أن ارتباط ظهور فن المديح النبوي وازدهاره ببداية الاحتفال بالمولد النبوي بالمغرب خلال القرن السابع الهجري ، مع ما يرمز إليه سياق هذا الاحتفال من رغبة في الحفاظ هوية الشخصية المسلمة والحيلولة دون تقليد النصارى في احتفالاتهم بأعيادهم المسيحية ، كل ذلك يجعل من فن المديح النبوي ـ بالإضافة بعده الديني المرتبط بترسيخ محبة الرسول الأكرم وتثبيت مختلف القيم الإسلامية الحنيفة المتصلة بسيرته ورسالته ـ أداة من أدوات حماية الهوية الإسلامية من الاختراق الثقافي ، وهو ما جعل فن المديح ، أمام تطور العناية به سواء من خلال الاحتفالات الرسمية بعيد المولد أو من خلال احتضان هذا الاحتفال أيضا من قبل الزوايا الصوفية في المغرب أو من خلال مختلف الطقوس الشعبية لهذا الاحتفال ، يصبح مظهرا من مظاهر الثقافة المغربية الأصيلة ، لا سيما وأن المغاربة قد أغنوا هذا الفن بالأشعار المختلفة وضمنوه ملحوناتهم المعروفة بالبراول ، كما أثروه بالتلاحين والأنغام والإيقاعات و تنويع أساليب الأداء ، وبيأوه في سياقهم المغربي المتعددة مشاربه الثقافية ، إذ يكفي أن نلتفت إلى ازدهار المديح النبوي في مختلف المغرب ، وكذا ازدهار تلحين نصوص المديح أيضا وفق أنغام ذات أصول أندلسية وأخرى إفريقية وثالثة أمازيغية وغيرها ، لتأكيد ما نقول ، بل إن أنغام فن المديح النبوي وأشعاره أصبحت مظاهر ثقافية عامة في المجتمع المغربي ، تحضر آثارها إما نظما أو نغما في مختلف التجليات ، الاجتماعية والدينية ، سواء في هدهدات الأمهات لأطفالهن وتسكينهن لصغارهن بالأذكار والصلوات ، أو على الصوامع والمآذن من خلال تتويب المهللين وأذان المؤذنين  ، أو في تكبيرات وتسبيحات الناس في صلاة العيدين ، أو في صيغ دعواتهم عقب الصلوات الخمس في المساجد ، أو من خلال أذكارهم التي يشيعون بها أحبتهم إلى مراقدهم الأخيرة ، أو من خلال ترتيلهم الفردي والجماعي للقرآن الكريم ، أو من خلال رواية حديث الإنصات في صلاة الجمعة ، وكذا في تصادح النساء ، في الأفراح العامة والخاصة ، بالصلاة على النبي الكريم وفق صيغة مغربية سائرة تعقبها زغاريد بهية ، ناهيك عن مظهر ساطع لحضور فن المديح والسماع في الحياة الاجتماعية المغربية يتجلى في استحضار واستدعاء المادحين في مختلف الأفراح والأتراح إلى البيوتات الخاصة للتغني بسيرة الرسول وأمداحه والصلاة عليه .

إن هذه المظاهر جميعها تبرز مدى الأثر العميق الذي يضطلع به فن المديح النبوي في التعبير عن الوجدان الديني المغربي ، بل ومساهمته في دعم   " التلحيم الروحي "  للمجتمع المغربي وتغذية وتقوية هويته الإسلامية ، إذ يعيش المسلم المغربي دينه من خلال مختلف الشعائر التعبدية ، مثلما يعيش حياته الإسلامية من خلال مختلف تلك المظاهر الثقافية والتقاليد الاجتماعية المغربية .

3 ـ السماع المجرد كأداة في التربية الروحية :

أما إذا انتقلنا إلى سماع القوم ، فإننا سنجد أن الوظائف الروحية التي أسندت للطرب في الزاوية جعلت السماع ركنا من أركان الطريق ، يقول الدلائي : "أما القوم ، أعني الصوفية ، فالسماع عندهم ركن من أركان الطريق ومورد رائق لأهل النهاية والتحقيق ، لأنه يهيج الأشواق ويفتح باب الأذواق ويوسع دائرة التلاق"   . فالسماع عند القوم وجه من أوجه الذكر ، ومن ثمة ما يعتبر أداة من أدوات تطهير القلوب وتصفيتها من جنابة الغفلة وعلل النفس وحظوظها الدنية ، يقول الشيخ الحراق :

فطهر بماء الذكر قلبك جاهدا    ***   بصدق اللجا واغسله من كل علة

 

بل إن السماع صار وسيلة من وسائل التربية ، من خلاله يتوسل بالطرب ، بوصفه مصيدة للنفوس ، وذلك من أجل إخراج هذه النفوس من غفلاتها والرقي بها في مدارج السلوك ومنازل السير نحو معرفة الحق سبحانه . ولعل أسطع مثال على التربية عبر السماع ، تلك الحكاية التي أثبتها لنا التهامي الوزاني في كتابه "الزاوية" ، حيث نقرأ :   "وسمع سيدي محمد الحراق المطربين يغنـون بقصيـدة  ـ الصبح كشريف أرخى ذيل أيزارو ... ـ ، فطرب لها طربا عظيما وتواجد إلى أن كانت العمامة ترتفع عن رأسه مقدار ذراع ، ثم خلع على المطربين وأحسن إليهم ، فلما كان بعد ثلاث  بعث  وراءهم  وعرض  عليهم  قصيدته  التي  هي  على  وزن ـ الصبح كشريف ارخى ذيل ايزارو ـ والتي في أولها :

صاف الحبيب تظفر ببديع أنوارُ  ***   وتـحــوز مـــن بـهـــاه إيــمــارا

 

فقرأوها عدة مرات وأداروها على أوزان القصيدة السابقة ، فإذا بمعانيها أجل وألطف من معاني سابقتها ، فأمر بإحضار آلات الطرب ، فأحضرت وطفق المنشدون يرددون هذه القصيدة في ألحان شتى ، وقد أعجب بها العلماء والأدباء والصوفية على حد سوء ، فأمر الشيخ أن يقام إكرام للفقراء دام ثلاثة أيام شكرا لله الذي ألهمه إلى هذه القصيدة " .

إن الشيخ الحراق ، على منوال أرباب الأحوال المتمسكين برسوم الشريعة والمتمكنين من أذواق الحقيقة ، ما كان ليطرب للمعاني الغزلية الحسية المبثوثة في برولة "الصبح كشريف ارخى ذيل ايزارو" ، ثم ما كان أيضا لينقدح حاله وتهتاج مواجيده ، فقط بسبب طرب الأصوات ونغمات المعازف والآلات ، بل إن الحال الذي اهتاج في باطن الشيخ كان ثمرة فهمه الإشاري لما انطوت عليه البرولة من دلالات ذوقية ، فأصبحت بذلك النغمات حاملا لطيفا لتلك النفحات الإشارية التي حركت سواكنه وقدحت أسراره الكامنة ، وهذا هو "التلقي" الصوفي من حيث هو "أخذك ما يرد من الحق عليك" ، كما أنه "سماع إلهي" وهو غير السماع الطبيعي الذي يكو بالنغمات والألحان انبجست من خلاله  ، وعلى مرآة برولة "الصبح كشريف ..." ، دلالات رائقة وحقائق فائقة نابعة من صلب تجربة الشيخ الحراق المتوهجة في الحب الإلهي ، ولا يلزم أن يكون ما فهمه الشيخ موافقا لمقصود الناظم ، لأن  "المحترق في حب الله تعالى *كما قال أبو حامد الغزالي* وجده بحسب فهمه ، وفهمه بحسب تخيله ، وليس م شرط تخيله أن يوافق على مراد الشاعر ولغته ، فهذا الوجد حق وصدق" . بل يضيف أن "الذي غلب عليه حب الله تعالى ، فلا تضره الألفاظ ، ولا تمنعه عن فهم المعاني اللطيفة المتعلقة بمجاري همته الشريفة " ،  فهذا السماع الإلهي هو سماع الأكابر "الذين يتواجدون من حيث كامنات سرائرهم لا من حيث قول الشاعر ومراد القائل " كما أكد ذلك صاحب حل الرموز .

هكذا نفهم أن تواجد الشيخ عند سماعه المطربين يتغنون ببرولة "الصبح كشريف ارخى ذيل إيزارو " كان ثمرة تلقيه الصوفي للبرولة ، وسماعه الإلهي لها ، ومن ثم فهمه الإشاري لمدلولاتها ومعانيها ، وهذا هو ما حذا به إلى معارضتها ببرولة "صاف الحبيب تظفر ببديع نوارو" والتي أودع فيها بعض فتوحاته الإشارية التي فهمها ، ذوقا ، من البرولة الغزلية "الصبح كشريف ارخى ذيل ايزارو" وإن من شأن تأمل مقتضب في البرولتين أن يعضد ويدعم ما نقول.

فبرولة "الصبح كشريف ارخى ذيل ايزارو " برولة غزلية تصور بتشخيص أدبي جميل ، بهاء الصبح وهو ينبلج من رحم الليل ، بينما تنقل برولة الشيخ الحراق "صافي الحبيب ..." موضوع الغزل من التشبيب بضوء الصباح كأثر كثيف لزمن حسي فزيقي إلى التغني بأنوار المحبوب بماهي أنوار بديعة لطيفة لمحبوب مطلق البهاء ، إننا ننتقل مما هو حسي شبحي كثيف نسبي ، إلى ما هو معنوي روحي لطيف مطلق ، وبين ثنايا وخيوط برولة الشيخ الحراق يسري هذا التصويف من خلال تحويل موضوع الغزل من الطبيعة إلى خالقها ، ومن جمالها الحسي الظاهر إلى جمال مبدعها المتجلي فيها ، إنه يرد الفرع إلى الأصل النوراني ، ويرسم طريق تأهيل المريد للانتقال من رؤية الظل إلى مشاهدة النور ، من خلال الحض على الذكر والصدق في المحبة ، وهو ما يكشف بجلاء على البعد التربوي الصوفي ، والتأهيلي الروحي ، الذي تضطلع به هنا المعارضة ، والتي اتخذت الموسيقى أداة من أدواتها ، من هنا نفهم الفرح العارم الذي استولى على اشيخ وهو يرى كيف أن نصه الصوفي الفائض بالدلالات الصوفية "ينسخ" ويلغي نصا غزليا حسيا تشبيبيا ، يتغنى بالجمال الحسي لذاته . على أن الشيخ بهذا المنهج في المعارضة ، كان ينشر طريقته الصوفية ، ويبث في الناس عبر النغم ، بما هو مصيدة للنفوس ، التغني بالذكر حتى يتعلقوا به فيتخلقوا بمحبة المذكور ليتحققوا بشهوده . ولا ضير في هذا المنهج التطهيري التأهيلي أن يتغنى المطربون ، في البدء ، بالأذكار ومعانيها دو أن يفقهوها ، إذ لا يوجب الذكر المصحوب بالغفلة الابتعاد أوالتخلي عن الذكر إذ " غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره " كما يقول ابن عطاء الله في حكمه ، ثم إن المداومة على الذكر قد ترقي صاحبها إلى أطوار القرب ، ويفصل ذلك الشيخ الحراق ، العطائي الذوق  ، في رسائله فيقول : "إذا ذكر الذاكر بلسانه والعقل مشغول بأموره من من كل مأكول أو مشروب وغيرهما ، فلا يسمع ذكر اللسان . ولكن إذا دام الإنسان على الذكر ربما وجد العقل فراغا في بعض الأوقات فسمعه ، وإذا سمعه تذكر وطنه الأصلي وعالمه النوراني ، فصار بحكم القهر إليه وترك الجسم مهملا لا يبالي به , فإذا دام الجسم على ذلك الحال تبعه على ما هو عليه لانحيازه إلى حمى الله ، وصار الجسم بعد أن كان متبوعا تابعا ، وصار العقل بعد أن كان متبوعا تابعا ، وظهرت على الجسم أحوال العبودية وظهرت على العقل أنوار الربوبية ، ولا يزال الأمر كذلك حتى يحصل الوصول ويصير الجميع كلا واحدا ، وقد كان الله ولا شيء معه "  .

 

إن هذا لاإدراك العالي لأحوال النفس ولتقلباتها حسب أطوار الذكر هو الذي حكم نهج الشيخ في معارضته لبرولة "الصبح كشريف ..." بل وفي كل معارضاته التصويفية للصنائع الآلية . لذلك لم يعبأ بذلك الذي أراد أن ينكت عليه حين بادره قائلا : "يا سيدي محمد الحراق ، لقد قيل لنا إن كلامك ابتذل حتى أصبح يقال في أوكار الفجور والفساد ، " ، إذ أجابه الشيخ جواب المتيقن من نهجه والعارف لمقصده : "ليس بابتذال ، ولكنه كلام أرضى الجميع ، وإنى أحمد الله على أن صلح لهم كلامي حتى صاروا يتغزلون به لجلب السرور " . وقد سبق معنا أن جلب السرور هذا ليس سوى لحظة من لحظات اللإيقاع بالنفس بغية تطهيرها وترقيتها .

انطلاقا من هذا المثال الساطع، يتبين لنا الدور الروحي الذي يستعمل فيه السماع من لدن القوم ، حيث يضطلع بوظيفة تطهيرية وتأهيلية للفرد تتغيا تحريره من أسر نفسه ورعونتها وتوجيه قلبع الصقيل نحو قبلة الحق وجماله المطلق ، وهذه الوظيفة هي واحدة من جم الوظائف المسندة للسماع في السياق الصوفي ، والتي تتعدد بتعدد الأحوال والمقامات والأوقات ومنازل السير إلى الله سبحاه.

4 ـ على سبيل الاستخلاص :

نتبين  مما سبق أن السماع بشقيه ، المديح النبوي والسماع المجرد ، يضطلع بأدوار رئيسية في ترسيخ محبة الرسول وآل بيته ، وتثبيت كل القيم الإسلامية التي حملتها الرسالة المحمدية  السمحة ، وكذا تعضيد وحماية الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي من خلال مختلف المظاهر الاجتماعية والثقافية التي تعبر عن الوجدان الديني المغربي ، وكذا عبر ما يضطلع به السماع من دور تربوي روحي في إصلاح الفرد من خلال تطهير باطنه من الأغيار والأكدار وتأهيله للإخلاص في العبادة وترقيته لمعرفة الحق حق معرفته .  أضف إلى ذلك أن مساهمة فن السماع في التلحيم الروحي للمجتمع المغربي ، سواء عبر تقوية وتغذية الهوية الإسلامية الجماعية ، أو من خلال تأهيل وتطهير الفرد المسلم ، تلعب دورا رئيسيا في تحقيق الأمن الروحي للفرد والجماعة وذلك في إطار من الوحدة الدينية التي تقدم صورة نموذجية لهوية إسلامية منفتحة تعتني بأبعاد الفرد المختلفة وبفطرته المحبة للسلم والتواقة للجمال ، هذا الأخير الذي يتمثل في مظاهر عدة منها الشعر والموسيقى واللباس ، وهي كلها مظاهر جمالية ذات أبعاد روحية ساهم ، ولا يزال، حقل السماع وأربابه ففي تغذيتها ودعمها ، لذا وجبت العناية بهذا التراث المغربي الأصيل ، دعما للغايات والمقاصد التي يتغياها ، لا سيما إزاء التحديات المعاصرة التي يواجهنا بها نظام العولمة الثقافية ، والذي يهدد كل الهويات الفقيرة بالامحاء والذوبان ، وكذا إزاء تحديات أخرى نجمت عن نوع من النسيان الذي تعاملنا به مع مكوناتنا الثقافية حين اعتبرناها عناصر ثانوية في حياتنا ، مما فاجأنا بمظاهر "ثقافية" غريبة عن الهوية الإسلامية المغربية كما تشكلت في بقعتنا ، وساهم في صياغتها أجدادنا على امتداد قرون خلت ، ثم إن السماع ، من حيث هو موسيقى صوفية ، يعتبر واحدا من الجسور التي تصل هويتنا بغيرها من الهويات الكونية ، والتي تتقاطع معنا في مختلف القيم والمثل الإنسانية العليا التي يصبوا إليها الإنسان من حيث هو إنسان ، وهي قيم يعبر عنها السماع أبهى تعبير نظما ونغما "مثل قيم المحبة والتسامح والسلم والجمال وتكريم الإنسان والبحث عن الكمال والتوق إلى المطلق ...".

لهذه الاعتبارات وغيرها ، ندعو إلى رعاية فن السماع بوصفه مظهرا ثقافيا مغربيا أصيلا يحمل قيما دينية وإنسانية لها جذور مغربية وثيقة وذات طاقة كبرى على مواصلة المساهمة في تلحيم المجتمع المغربي روحيا ، وجعله متواصلا ومنفتحا إنسانيا وكونيا ، دون أن تلقي به في مهاوي العنف والانغلاق . وفي هذا الإطار ندعو إلى فتح مدارس لتلقين هذا الفن ونقله للأجيال القادمة ، وفق أصوله وشرائطه وطقوسه ، ونقترح فتح شعب لدراسته في الجامعات والمعاهد الموسيقية ، كما نقترح استثمار ما يقدمه من إمكانات شعرية ونغمية في تلقين بعض المواد الدراسية والتعليمية مثل مواد "اللغة العربية" و "التربية الإسلامية" و "التربية الموسيقية" ، وكذا الإفادة منه في صياغة أناشيد للأطفال بتوقيع مغربي أصيل ، إذ من شأن هذا التوظيف المبني على دراسات متأنية أن يسهم بقوة في دعم تلك المقاصد الروحية التي يهدف إليها السماع ، وذلك من أجل استثمار ذخيرة هذا الفن في تنشئة فرد مغربي معتز بإسلامه ، محب لرسوله وآل بيته ، متصالح مع ذاته ، مفتخر بتراثه ، منسجم مع مقتضيات عصره .

لا توجد تعليقات
ضع بصمتك و أثري الموضوع بنقاش رائع :)