كلمة في حق فقيد موسيقى القوم بالمغرب وشيخ المادحين والمسمعين الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور

كلمة في حق فقيد موسيقى القوم بالمغرب وشيخ المادحين والمسمعين الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور
ممتازة 1 ممتازة الثلاثاء 30 شتنبر 2014 ممتازة 0 لا يوجد تعليقات

jasad-Zaoui26

" جَسدٌ لا يُبليهِ التُّراب ... "

(كلمة في حق فقيد موسيقى القوم بالمغرب وشيخ المادحين والمسمعين الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور)

" ... وبعد، فعلى نهج هؤلاء الأعلام ولاسيما الشيخ فتح الله بناني سار مكرمنا الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور الذي تنعقد هذه الندوة تنويرها به وتقديرا لجهوده.

ويكفي في الإشادة بمكانته في مجال "الآلة" و"السماع" أنه تربى في بيت أصيل كانت جنباته تردد أصداء فنهما الرفيع. فوالده محمد بنمنصور (ت1358 هـ- 1938م) أحد فقراء الزاوية الحراقية وصهر شيخها عبد السلام اجديرة الذي ترجمه الوالد رحمه الله في الجزء الثاني من "أعلام الفكر" والذي كانت وفاته عام 1362هـ الموافق1943م. وقد عاش محتكما ليس فقط بشيخه، ولكن كذلك بابنيه القاضي الحاج مصطفى (ت1418هـ-1997م) والحاج ابراهيم، وخالهما محمد بن عمر الريش".

د. عباس الجراري، النغم المطرب بين الأندلس والمغرب، منشورات النادي الجراري، الرباط 2002، ص155-154.

 

- " كيف يمكن للمرء أن يقدم أستاذا من طينة عبد اللطيف بنمنصور دون إيفاء أبعاد شخصيته المعرفية والإنسانية كل ما تستحقه من دراسة وتبيان، أليس هو الشاعر، الفقيه، العدل المبرز، المتصرف، المؤرخ، الأديب، الفنان، المبدع، المنسق، أليس هو كذلك الحجة في فني المديح والسماع، يشهد له بذلك أنصاره وخصومه على حد سواء، وهم ما بين معجب وغابط".

ذ. أحمد عيدون، مطبوع حفل تكريم الشيخ عبد اللطيف بنمنصور بالرباط، 1998/10/10.


jasad-moulay_arbi_gilai1 jasad-Zaoui20 jasad-Zaoui21

ترتجف االكلمات، وتتهدج الأصوات، وتنتاب الذاكرةَ والوجدانَ لحظاتٌ مكلومةٌ بفداحةِ الغياب، حيرى بعنفوان الفقدان. لم أستطع يوما أن أتصور مدى الآلام والأحزان التي يمكن أن يفجرها في الأقرباء والمريدين والمحبين والإخوان  رحيلُ شيخهم وأستاذهم وصديقهم وأبيهم الروحي سيدي عبد اللطيف بنمنصور. ذاك ما باحت به العبراتُ السخية والأوجه الواجمة وسحائب الحزن المكين التي خيمت على الأفئدة والسحنات عند تلقى صدمة الخبر؛ خبر وفاة أمير موسيقى القوم بالمغرب ليلة الثلاثاء 22 ربيع الثاني 1431ه الموافق لـ06 أبريل 2010م بمستشفى الشيخ زايد بالرباط عن سن يناهز أربعا وثمانين سنة. لقد غادرنا سيدي عبد اللطيف، المبدع والمؤلف والشاعر والمحقق والفنان والأب والمربي والمعلم ومحتسب سماع أهل المغرب..، إلى رحابة الأبد؛ غادرنا محب جرت في دمائه رقراقةً بهيةً محبةُ المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ غادرنا ولسانه رطبٌ بذكر مولاه إلى آخر هنيهة لا يفتر عن الدعاء والاستغفار والتسبيح نثرا وشعرا، سرا وعلانية إلى أن انتفى السر والعلن، وآبت الروح إلى بارئها راضية مرضية، تاركة من خلفها  أدفاق الحزن وفيض الشجن. فعزاؤنا المنشود ومواساتنا في ما زين به شيخنا المحافل والحلقات من ترانيم ومدائح وأذكار، وفي أعماله العلمية والفنية الرائدة والخالدة من كتابات ومردين وتلاحين وأشعار، أعمال انتسجت من خيوطها تجربة فنية صوفية فريدة وباذخة لها انتشت مواجيد الذائقين و بها طربت أشذى الحناجر والأوتار. وهذه أبرز تقاسيم وقسمات الشخصية والآثار.

-1الشيخ بنمنصور ابن الزاوية:


بمجرد ما أن نهم بالاقتراب من تجربة فقيد فنون طرب الآلة وموسيقى القوم الفقيه العدل الحافظ المبدع الذواقة الشيخ عبد اللطيف محمد بنمنصور (1926-2010م)، فإننا نكتشف أننا إزاء فنان بالمعنى البحر للكلمة، فأعماله من التنوع والتعدد والثراء والبذخ والغنى ما يضيق عن الاستقصاء في صفحات محدودة وأسطر معدودة، إذ تمتد حياته الفنية على مسافة زمنية تربو على نصف القرن، مسافة زمنية وإبداعية جعلت من الشيخ سيدي عبد اللطيف ذخيرة أهل فنه ويتيمة دهره في بابه ومجاله. إنه بحق موسوعة حية في فني المديح والسماع، ومرجعية عز نظيرها ومثيلها في طرب الآلة الأندلسية المغربية.

فبالإضافة إلى ما يتحلى به الشيخ بنمنصور من ذاكرة قوية، وحافظة حادة ونافذة بوأته منبرا عاليا، ومنزلة سامية ونادرة في باب حفظ القصيد والموشحات والأزجال والبراول، فإن للأستاذ بنمنصور ذائقة أدبية رقيقة ودقيقة تحتفي بالبهي والرفيع، وتمج الدنيء والوضيع، ذائقة صقلتها معاشرته الطويلة والمتبحرة للنصوص في المخطوطات والكنانيش والمجاميع والدواوين، وكذا مصاحبته للشيوخ، وأخذه عن زمرة طيبة عالية الباع من العلماء والفقهاء، وأرباب المديح والسماع، وفي صدارتهم ومقدمتهم مقدم الطريقة الحراقية بالرباط، الفقيه العلامة والحبر الفهامة شيخ الأستاذ بنمنصور وسنده وعضده، جده لأمه الصوفي الجليل سيدي عبد السلام اكديرة (ت1344هـ/1943م) الذي تلمذ له نخبة من رواد هذا الفن ورجالاته، وصفوة من أعلامه وجهابذته بمدينة الرباط أمثال: سيدي عبد القادر بن العربي الدلائي(ت1960م) وسيدي محمد ابن عمر الريش(ت1972م). وقد خص سيدي عبد السلام سبطه برعاية فائقة، وعناية رائقة وتربية صوفية صادقة، وهو ما ضمخ طفولة الأستاذ عبد اللطيف بالطبوع والأنغام والأشعار المديحية والصوفية، فسرى في أوصاله بهاء الشجو وسحر الطرب، وتسللت إلى عروقه موسيقى القوافي ونشوة الأدب، فتخلقت بين ضلوعه موهبة موسيقية وفنية، وتشكلت من روح هذا الوسط الصوفي، ذائقته الفنية والأدبية، فولع بمدح النبي(ص)، وامتزج في دمه حبه والتعلق به عليه السلام، وبآل بيته الأطهار الكرام، كما نما في فؤاده الشغف بالذكر والمذاكرة، والهيام بقوم الصوفية؛ بمؤلفاتهم وحكاياتهم وإشاراتهم وأذواقهم وأشعارهم وأحوالهم ومقاماتهم، فكان أن ورث تلك الروح الصوفية، واكتوى بجمرة السر الحراقي المنحدر إليه من جده سيدي عبد السلام تلميذ الولي الصالح سيدي بنعاشر الحداد(ت1326هـ/1908م) الآخذ عن العالم الساطع والموسيقي البارع الحاج محمد بن العربي الدلائي (ت1285هـ/1869م) التلميذ المباشر لأمير الحذاق ومهذب الأذواق العارف الواصل سيدي محمد الحراق (ت1271هـ/1841م).

وإلى هذه السلسلة الذهبية يشير الأستاذ بنمنصور في بائية جميلة:

أخذتها عن فقيه صالــح ناصــح              "مقدم" ورع عدل وحيسـوبي

عن الحداد أبي العبــاس أحمد  صا              حب المقامات للدلائي منسوب

شيخ الطريقة ابن العربي الذي فخرت              به الرباط والبيضاء  بلا ريب

تلميذ من أشـرقت شموســه وتلقــــــاه العـربي الدرقـاوي  بترحيب

قطب زمـاني سيـدي محمــد الحـــــــراق معجزة المغرب المحبوب

سلسلة ذهبية أحـــاط بهــــا               عبد السلام بلا لغو ولا حوب

فيالها من مزية قد خــص بهــا                حفيده فهي فيض دون تثريب

ما كنت أهلا لهــا لكن درى أنني                   مؤهل فلـذا ضمخت بالطيب

نستشف من هذه السلسلة الروحية أن الشيخ سيدي عبد اللطيف حراقي الطريقة الصوفية، دلائي المدرسة الفنية في المديح والسماع، وهما وجهان لعملة واحدة، لأن الحاج محمد بن العربي الدلائي حراقي الطريقة وسماعه حراقي بالانتساب والإذن الحراقيين([1])، بحيث يمكن أن نقول إن المدرسة الدلائية تشكل الوجه الفني البارز للطريقة الصوفية الحراقية، وذلك هو أول ملمح لموسيقى المواجيد كما يوقعها الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور بدم تجربته وأبجدية وجده.

هكذا نتبين بجلاء التربية الفنية والصوفية التي أثمرت الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور، ونسجت تقاسيم تجربته الفنية الصوفية المتفردة، فماهي أبرز ملامح هذه التجربة؟ وكيف ساهم الأستاذ بنمنصور في إحياء وإثراء مدرسته الصوفية والفنية؟


-2الإنتاج والعطاءات:


لقد أومأنا سالفا إلى أن غايتنا ليست استقصاء كل عطاءات الأستاذ بنمنصور، فذلك أمر متعذر مقاما وزمانا، لذلك فإن ما سنشير إليه ليس سوى قل من جل، قطرة من يم ونقطة من جم، والغيض لا يغني أبدا عن الفيض.

-1-2الموسيقى الأندلسية:

لعل أبرز ما يخطر على الأذهان في هذا الإطار، هو العمل الراسخ والإنجاز الشامخ الذي أنجزه الأستاذ بنمنصور؛ حين حقق ورتب ونسق وأعد مجموع أزجال وتواشيح وأشعار الموسيقى الأندلسية المغربية المعروف بـ"الحائك".

فماهي بإيجاز أبرز خصوصيات هذا العمل؟

إن المجموع الذي أنجزه الأستاذ بنمنصور يعد من جهة أولى نشرة تطبع كاملة لمجموع الحائك، إذ تتضمن الأشعار بجميع أصنافها، بقصيدها وموشحاتها وأزجالها وبراولها، كما أنها تشتمل على ميزاني "قائم ونصف الحجاز المشرقي" و"قائم ونصف الرصد"، وتحتوي على "أدراج" مختلف النوبات، مما جعلنا بحق أمام "حائك" يتضمن الخمسة والخمسين ميزانا والتي تم تجميعها وتوثيقها. أضف إلى ذلك أن الأستاذ عبد اللطيف قام بأول محاولة لنسبة الأشعار إلى أصحابها، هذا علاوة على مختلف التعاليق والهوامش التي يزخر بها المجموع، والتي "تفكك" بعض الصنائع و"تفرز" وتحلل مكوناتها، وتعلق عليها سواء من حيث المتن الشعري أو الوزن الإيقاعي أو الأداء الغنائي أو التنسيق بين الصنائع أو المناسبة بين مواضيعها وأغراضها. وهذا ما أثمر ملحقا علميا وفنيا زاخرا ذيل به المجموع، وهو ملحق ينم عن أسلوب عميق في فهم فن طرب الآلة، ويقدم منهجا دقيقا لصيانة هذا الفن عن طريق تهذيب وتشذيب ما صحف، وتصليح وتصحيح ما حرف. ولم يكتف الشيخ بنمنصور بذلك، بل راح يبادر بعمل علمي وحضاري جليل أدرك بفطنته وحذقه أهميته التاريخية والحضارية، حيث عمد إلى الترجمة لبعض أعلام هذا الفن من معاصريه معززا ذلك بصور ومعلومات نادرة ونفيسة. لقد تجلت في هذا العمل الضخم شخصية الأستاذ عبد اللطيف بتنوع مواهبها وتعدد مجالات إبداعها، وثراء أوجه حذقها الفني، هكذا تعرفنا إلى الوجه الأدبي في شخصية الشيخ بنمنصور من خلال ملاحظاته الأدبية والبلاغية، وحسه العروضي اليقظ وانهمامه بالمناسبة مع التنسيق والمحافظة على الوحدة الموضوعية للنوبات، واكتشفنا وجهه الفني من خلال تعاليقه على الطبوع والتلاحين والإيقاعات والأداء الغنائي. وهي ملاحظات وتعاليق تفيض من جوارح الشيخ سيدي عبد اللطيف في صدق وحال، وتتدفق من قريحته المتوهجة في وجد وجلال، قريحة تتقدم عطشى للرقة الفنية، مأخوذة بالجمال في اختيار النص الغنائي وأسلوب أدائه والتغني به، وذاك ما تقوم لغة "المجموع" عدلا شاهدا عليه. وأخيرا وليس آخرا، برز وجه الشيخ سيدي عبد اللطيف الفنان الملحن من خلال مختلف التلاحين التي أودعها وضمنها مجموعه([2]) وهي تلاحين حازت من البها ما يتلف النهى، كما أنها تنم عن وعي عميق بالخصاص الذي تعانيه بعض الميازين من جهة، وتميط اللثام عن قدرة الأستاذ بنمنصور الإبداعية ومهارته الفنية وحسه الموسيقي الرفيع، أعني هنا، موسيقى المواجيد الصوفية التي تتميز بالبهاء الروحي والسمو والندرة والفرادة.

jasad-2

سيدي محمد السادس يوشح صدر أقطاب و مشايخ الفن الأصيل و ضمنهم سيدي عبد اللطيف بنمنصور

-2-2الموسيقى الصوفية: المديح والسماع:

إن هذا المجال هو "مكة" الشيخ عبد اللطيف بنمنصور بدون منازع، إنه سيد أهلها، وشيخ قومها، ومقدم حيها، والخبير بشعابها. ولعل المتتبع لأعماله وأنشطته يكتشف ذلك بيسر وسهولة.

ويمكن أن نقوم بجرد أولي لأهم أعمال الأستاذ بنمنصور في حقل فني المديح والسماع، مع تسجيل ثلاث ملاحظات أساسية:

1- إن هذا الجرد ليس استقصائيا ولا يشمل كل أعمال الأستاذ عبد اللطيف بنمنصور؛

2- إننا نعتمد في هذا الجرد على معاشرتنا لميدان المديح والسماع بوجه عام، ومصاحبتنا للأستاذ بنمنصور بوجه مخصوص؛

3- لم نميز في هذا الجرد بين فن المديح وفن السماع، لأننا نعتبر أن التمييز بين هذين الفنين التوأمين في أعمال الأستاذ عبد اللطيف يجب أن ينطلق من دراسة معمقة ومفصلة لتلك الأعمال، وأي تمييز سابق على هذه الدراسة سيكون من قبيل المصادرة على المطلوب كما يقول المناطقة.

  1. لقد كان أول إنتاج أنجزه الأستاذ بنمنصور في هذا المضمار هو برنامج "الكواكب اليوسفية في الأمداح النبوية" سنة1961، وقد سجله لدار الإذاعة في السنة نفسها، لكنه لم يطبع وينشر مزيدا ومنقحا إلا سنة  1970بعد إصداره كتيب "تهذيب الأذواق في جيمية الحراق" في أوائل ستينيات القرن الماضي؛
  2. إعداده لبرامج مهرجان أبي رقراق لفني المديح والسماع في دوراته الأربع من 1989 إلى 1994؛
  3. مساهمته في مهرجان فاس للمديح والسماع من 1996 إلى 2009؛
  4. مساهمته في مهرجانات تازة والرباط على التوالي سنتي 2006 و2008؛
  5. برامج فنية خاصة أعدت للتلفزة ضمن حلقات دينية من برامج:

-        "ذكر ودعاء"1991؛

-        "خاتم النبيئين"1993؛

-        "معجزات الرسول (ص)1995.

  1. برامج حصص فنية مسجلة على أشرطة الليزر مثل: برنامج الملحمة الكبرى للعمل الفاسي على بردة البوصيري، والغوثيات (الفياشية والمنفرجة) وحصص من فن السماع صدرت ما بين1994 و1998؛
  2. أما تسجيلاته الإذاعية القديمة والتي انطلقت مع تسجيل الفياشية 1961، فإنها تصل إلى ثمانين ساعة تطرب في مختلف الطبوع والأنغام والإيقاعات؛
  3. برامج الحصص المديحية في الحفلات السلطانية الرسمية بالقصر الملكي ما بين 1970-1965، وتجدد ذلك منذ 1997 إلى 2010م.
  4. إصداره الشعري الفني "نفحات العرف والذوق في مدح طه سيد الخلق" سنة2007.



وخلال كل هذه البرامج والمناسبات وفي غيرها، وسواء كانت المناسبة تقتضي برنامجا فنيا مكتوبا أو "نفقة" تلقائية على الطريقة الأصيلة، فإن الأستاذ عبد اللطيف يحافظ دوما على شخصيته الفنية الصوفية، ويحرص على الالتزام بأسلوبه المتميز في "النفقة" و"التصرف" و"التنسيق". هكذا أغنى من خلال هذه المناسبات ديوان المديح والسماع بأعمال خالدة سواء في الطبوع المتداولة أو في تلك النادرة أو المفقودة نوباتها كالمزمزم أو الحصار أو المشرقى الصغير أو الغريبة المحررة ، كما اعتنى بطبوع أخرى مغربية أو ممغربة خارجة عن شجرة الطبوع مثل الزريكة أو النهاوند. أما على صعيد الإيقاعات النادرة فقد أبرز ألوانا من الدرج الذي كان يعد أميره، كما أظهر أيضا مستعملات سماعية تنشد وفق موازين مغربية غميسة استنبطها مثل القدام المزهو أو المثلث؛ أخرى شرقية مثل أقصاق التركي أو السماعي... أما الأداء فكان رمز تهذيب الأداء وتشذيبه لما كان يلاحظ  من تفشي سوء التغني وإهمال أسلوب الأداء الذي يضحي الغناء بدون العناية به غير مأثر؛ سيما إن فقد مميزات الوضوح الشعري وتقنيات الإطراب الأصيل.

ودع عنك مزايا الرجل الإنسانية من كرم وحب للغير وبذل للنصيحة وحرص على الدقة واحترام للوقت وعناية بأصغر الجزئيات إذ "من الجزئيات تكون الكليات "كما كان يردد رحمه الله، هذا فضلا عن روح النكتة والملاطفة وقوة الحافظة وسرعة البديهة مما كان ينبهر به العدو قبل الصديق.


-3على سبيل الختم:

لن تستوعب هذه الورقة الموجزة كل مزايا وإضافات الشيخ سيدي عبد اللطيف، إن في مجال تقعيد وتقنين فني المديح والسماع، وإغنائهما بالنظم والإصلاح والقدود وإبراز النوادر والتلحين على نهج الصوفية الأسلاف؛ أو في مجال الإشراف العام على السماع في المغرب عموما، وتعيينا في الزاوية الحراقية بالرباط والبيضاء، والعمل على استمرارهما كمنبرين لإشعاع المديح والسماع، يتزود منهما الولوع ويقصدهما الباحث، ويتطهر بالذكر في حضنهما المريد، كما لن نفيه حق  رمزيته كضامن علمي وأخلاقي لامتداد هذين الفنين في الزمن المغربي المعاصر.

ويكفي شيخنا فخرا أنه أثر في ثلاثة أجيال من المسمعين بالمغرب، بأسلوبه في الإنشاد وألحانه ومساره الصوفي الفني. فقد أخذ عنه بطريق غير مباشر جل مسمعي المغرب في العقدين الأخيرين؛ فيما اختصت زمرة محظوظة بصحبته والإفادة من بحر عطائه.

وقد حظي شيخنا بعدة أشكال من التقدير والتكريم والاعتراف، نشير منها إلى:

* أنه وشح بلقب "شيخ المادحين والمسمعين بالمغرب"، كما اشتهر في عدة كتب ومراجع عربية وأجنبية بلقب "أمير الأدراج"؛

* أنه اختير ما بين1989 عضوا في اللجنة الوطنية المكلفة بالإشراف على أنطولوجية الآلة الأندلسية، وحصل بفضل ذلك على وسام العرش من درجة فارس سنة 1992؛

* أنه حظي بتكريم جمعية رباط الفتح وجمعية شباب الأندلس بالرباط في 1998/10/10؛

* أنه حظي أيضا بتكريم خاص في المهرجان التاسع للموسيقى الأندلسية بفاس 2002.

* أنه حظي أيضا بتكريم خاص من لدن جمعية أصدقاء الآلة سنة 2007.

* أنه حظي أيضا بتكريم خاص في ملتقى سماع مراكش 2007.

* أنه حظي أيضا بتكريم خاص من لدن جمعية صفوة المحبين بالرباط 2008.

* أنه حظي أيضا بتكريم خاص من لدن جمعية عبد الصادق شقارة ومؤسسة سيدي محمد الحراق بتطوان 2010م.


فدعاؤنا خالص لأستاذنا وشيخنا وقدوتنا سيدي عبد اللطيف بنمنصور بالرحمة والقبول والمغفرة والرضا والرضوان، راجين لأهله وتلاميذه ومحبيه جميل الصبر والسلوان، ملتزمين بالسير على نهجه وصون تراثه، باذلين من أجل تحقيق آماله في السمو بالذاكرين ومعدن الذكر والسماع ما نفُس وغلا، آملين لآثاره ولتلاميذه الامتداد في الرونق والإبداع والعطاء،  إنشادا وابتكارا وتذوقا وتذويقا؛ وذلك رقيا وانطلاقا بفنون الآلة والمديح والسماع نحو أعالي سماء الألق والبهاء. ذاك الانطلاق الذي سيخلد اسم فقيدنا مرقوما فوق السحاب:

مدحت المالكين فزدت قدرا  ♠   وحين مدحتك اجتزت السحابا

مثلما تكفل حبه للمصطفى صلى الله عليه وسلم بصون جسدِه من أكل التراب:

جسد تمكن حب أحمد فيه   ♠   تالله إن الأرض لا تبليه

أم كيف يبليه التراب وحبه    ♠    في قلبه ومديحه في فيه


د. محمد التهامي الحراق



[1] - أنظر تفصيل ذلك في كتاب الحاج محمد بن العربي الدلائي "النور اللامع البراق في ترجمة الشيخ محمد الحراق".

[2] - لقد اغتنى سجل الأستاذ بنمنصور بتلاحين غزيرة بعد الطبعة الأولى لمجموعه  حيث أصبحت بلغت إبداعاته اللحنية، سواء منها ذات الصبغة الأندلسية أو تلك المتزية بالنكهة الصوفية، تشارف الألفية اللحنية.

لا توجد تعليقات
ضع بصمتك و أثري الموضوع بنقاش رائع :)