غيرة منا عليها : وجهة نظر في واقع الموسيقى الأندلسية المغربية

غيرة منا عليها : وجهة نظر في واقع الموسيقى الأندلسية المغربية
ممتازة 1 ممتازة الثلاثاء 30 شتنبر 2014 ممتازة 0 لا يوجد تعليقات

ghayratan-mina

طالما غالبت تلك اللهفة القوية في تناول ها الموضوع، وكثيرا ما أجلت طرح تلك الأسئلة المحرقة والمؤرقة حول واقع تراثنا الموسيقي الباذخ، والذي يشكل فنا طرف الآلة والسماع وجهين من أوجهه الغنية والبهية، وعلة هذا التمهل أنني كنت، ومازلت، أقول بأولوية العناية العلمية بهذا النمط الموسيقي في مختلف جوانبه التاريخية والأدبية والفنية، لكن الملاحظ أن نسبة تأثير هذه المقاربة العلمية الأكاديمية على الواقع الحالي والملموس لهذه الموسيقى تبدو ضئيلة وبطيئة وجد محدودة مقارنة مع ما تحدثه بعض الأشرطة الصوتية والمرئية الذائعة والمتداولة من تزييف للقيم الجمالية لهذه الموسيقى الراقية والأنيقة، وتحريف لهويتها الحضارية والتاريخية، لذا لزم تفعيل نقاش موسع حول واقع هذه الموسيقى، والانخراط المسؤول في فحص واقعها وأنماط ترويجها، وآليات التعامل معها وتلقيها في الوسط الفني العام.

 

لنسجل في البدء أن وجهة نظرنا في هذا المقال ليست ضد أحد، ولا تنتصر لأحد. إنها من ناحية ضد الابتذال وتمييع الذوق العام –كما نفهمه- وضد التصرف العابث بتراث حضاري يجلي مواجيد أمة أبدعته بدمها، ونحتته بروحها مسيرة قرون طويلة؛ وهي، من ناحية ثانية، مع الإبداع الأصيل الرفيع، والأداء الجميل البديع، والعطاء الراقي الواعي بذاته وتاريخه ووظيفته ومقوماته الفلسفية والأدبية والفنية. والتمايز بين التصورين جلي وساطع، فالصورة الأولى زائفة وزائلة وبائدة مهما توهم أصحابها النجاح والشهرة، والثانية أصيلة وباقية وخالدة مهما وصمها خصومها بالعجز والقصور أو تكهنوا لها بالانقراض، ولا يفلح "الكاهن" حيث أتى.

 

لنتقدم قليلا، ولنحاول تشخيص الرائج والمتداول في سوق هذه الموسيقى التراثية ببلادنا حاليا، مشيرين إلى أننا سنقتصر على الذائع والشائع دون تلك المجهودات الاستثنائية الأصيلة والتي تظل غالبا في الطرر والضلال يتداولها الخواص من الولوعين والعشاق هواة هذا النمط الموسيقي الأصيل.

 

تطالعنا بين الحين والآخر تسجيلات صوتية لهذا "الفنان" أو ذاك، مع هذا "الجوق" أو ذاك، بوصفها تسجيلات في "الموسيقى الأندلسية"، وقد تصدرت واجهة الشريط صورة "الفنان"، باعتباره "نجما" في سماء هذه الموسيقى، وبصفته "رمزا" من رموزها المعاصرين المجددين لروحها، والذين يلعبون دور "الوساطة" بينها وبين العصر "الحاضر"، ويضطلعون بعقد "المصالحة" بين تلك الموسيقى "العتيقة" "الكلاسيكية" "البطيئة "العجوز"، وبين الشباب الحيوي التواق إلى الإيقاعات السريعة والمحركة والمهيجة، فإيقاع حياة الأحفاد المعاصرين يختلف عن إيقاع عهد الأجداد المتقديمن تبعا لإيقاع العصر ووتيرة متغيراته. هذا ما تضمره أشرطة جل أولئك "النجوم" إن بوعي أو بغير وعي، وهو ما يجهر به بعضهم أحيانا بعبارات مضطربة وأسلوب هش وسطحي في الغالب.

 

وقبل مناقشة هدا الواقع وما يضمره أو يعلنه من دعاوى، سيكون علينا أن نستعرض بعض سمات تلك الأشرطة التي يسعى من خلالها أصحابها إلى تحقيق تينك "الوساطة" و"المصالحة"، ونلخص تلك السمات في النقط التالية:

 

1-          اعتماد الغناء الفردي والاستغناء عن الأداء الجماعي لبعض الصنائع والمستعملات في أفق تعميم هذا الأسلوب على مجموع طرب الآلة؛

 

2-          المزج بين صنائع أندلسية وبعض مستعملات السماع الصوفي؛

 

3-          الاقتصار على الإيقاع السريع المتمثل في انصرافات بعض النوبات الأندلسية؛

 

4-          اعتماد المواويل المستدخلة للمقامات الشرقية؛

 

5-          استبعاد الإنشادات والاقتصار على المواويل مع بعض الاستثناءات؛

 

6-          المزح بين أدوار طرب الآلة والسماع من جهة وبعض أشكال الطرب الشعبي من جهة ثانية.

 

قد يطول بنا الحديث إذا أردنا تحليل كل سمة من هذه السمات، لذلك فإننا سنجمل القول ونرجئ التفصيل إلى حين فتح نقاش أوسع في الموضوع. وبوجه عام يمكننا أن نقول إن هذه السمات لا تستند إلى تصور واضح ينتظمها، ويبرر اختياراتها، بل إنها تعتمد "الارتجال" –في معناه العابث-، والاختيار المزاجي الفردي الذي "يضمن" نوعا من "النجومية" التي تستند إلى المعيار التجاري، بحيث كلما كان المردود التجاري أكبر، وكان الإقبال على "الاستهلاك" أكثر، كان ذلك في نظر "النجم" برهانا على نجاح أسلوبه، ودليلا على انتشار "شعاعه" الساطع في سماء هذه الموسيقى، وهو في ذلك يفترض، بطريقة لاشعورية، أن سماء هذا الفن مظلمة في الوقت الحاضر مادام مبدعوها ومنيرو سمائها قد سكنوا القبور، وهو افتراض واه وواهم، ويقوم دليلا على أن هؤلاء يبذرون بذور "أفولهم"؛ لأن جلهم لم يدرك سر حياة هذه الموسيقى بيننا، وامتداد وجودها بين ظهرانينا، واستمرار تحريكها لمواجيدنا وخوالجنا. إنها موسيقى تعاطاها الفقهاء والعلماء والأدباء، فصانوها ووقعوها إبداعا رفيع النظم والنغم والإيقاع والعزف والأداء، ومع تطور هذه الموسيقى ظلت تنمو وتزدهر، وتتجدد وتحفظ، وتصحح إن حرفت؛ وتصلح إن صحفت، بل تتوهج وتتألف على يد من أدركوا أسرارها، وخبروا مفاتنها وتفطنوا لجماليتها الأدبية والفنية. وإلى وقت قريب كان هؤلاء هم "نجومها" و"شيوخها" و"معلموها"، بحيث تبدو النجومية في جودة النفقة وإتقان الصنعة وانسجام الأداء وسلاسة الغناء المطرب، وهو الأمر الذي يتخذ حلة جماعية ويشير ويوحي إلى الأصل الجماعي والملك الجماعي لهذا التراث الباذخ، فلا مجال هنا إلى "النجومية الفردية"، ومن المفارقة والمغالطة أن نعتبر "منشد" موسيقى الآلة "فنانا" بالمعنى ذاته الذي نطلقه على مطرب في الأغنية العصرية أو على شاعر أو رسام. فالإنشاد هو وظيفة ضمن وظائف تتكامل لتشكل نسيج فرقة موسيقية أندلسية مغربية ينظمها رئيس الفرقة و"معلمها". فالمنشد ينشد تراث أمة، ولا يغني قطعة موسيقية أذن له في غنائها كاتب كلماتها أو ملحنها، كما أن من بين مظاهر خصوصية هذا التراث الفني أنه يغنى جماعيا لأن ذلك يشرك الجمهور في عملية الإنشاد والأداء، ولا يجعله متلقيا "مستهلكا" (والاستهلاك ليس سلبيا بالضرورة) يكتفي من الاستمتاع بالاستماع فحسب، ثم إن هذا البعد الجماعي للغناء يجعل تلك الموسيقى تستولي على جميع الجوارح وتأخذ بانتباه الناس وبألبابهم وتحرك أشجانهم ومواجيدهم، وضمن هذا الطقس الغنائي الآسر تبرز خصوصية المنشد في الإطراب من خلال "تذييلاته" و"توشياته" و"تحبيراته" و"تحسيناته" و"تزاويقه"، فتتعالى الآهات، وتتوالى الصيحات ويسود التمايل والانتشاء لما لهذا الطقس من جمال وبهاء. وحين ينفرد المنشد بأداء "كرسي" أو "تغطية" وينفرد هذا العازف أو ذاك بـ"الجواب"، يكون هذا الانفراد مؤججا اللواعج والخلجات، لأن هذا الانفراد يستمد معناه وقوة تأثيره من الطقس الغنائي الجماعي، ومن انبثاقه من داخله. قد يقول قائل: هذا الطقس تقليد غنائي "متجاوز" يفترض متلقيا من معدن خاص نفتقده اليوم، لذا وجب "التجديد"، لكننا نعتقد –وبغض النظر عن وضعية المتلقي التي سنأتي على مناقشتها- أن أي تجديد لهذه الموسيقى التراثية لابد أن يبحث عن خلق خصوصية فنية لها لا أن يطمس معالمها، لأن المنشد "النجم" بدعوته المجانية إلى "التجديد" يزرع بذور أفوله، إذ ما جدواه كمنشد؟ وما معنى وجود "الموسيقى الأندلسية المغربية" إذا فقدت معالمها، وانطمست مميزاتها وأماراتها المخصوصة؟!، ثم أي تجديد يمكن أن يضفيه اعتماد الأداء الغنائي الفردي على طرب الآلة!؟ سيما إذا أدركنا أن هذا الأسلوب الغنائي احتضنته فنون تراثية أخرى تتعايش مع الموسيقى الأندلسية المغربية بالمغرب دون أن يفقد أحد منها خصوصيته، أشير هنا إلى "الملحون" كفن مغربي أصيل، وإلى دور "القوال" في الزوايا ضمن فن السماع، وهو الفن الذي بدأت بعض الأشرطة تتغنى ببعض مستعملاته إلى جانب الصنائع الآلية. وتلزمنا عند ظاهرة هذا "الجمع" أو "المزج" وقفة قصيرة.

 

لا ينكر أحد مدى التفاعل والتآثر القائم بين طرب الآلة وفن السماع، إلا أن هذه العلاقة الجدلية، والتي تحتاج إلى دراسات معمقة، لا تلغي خصوصية واستقلال كل فن عن الآخر إن على صعيد الأشعار أو الأدوار اللحنية أو الوظائف، وهو الأمر الذي يفرض على أي "جامع" أو "مازج" بين الفنين جملة من الشروط الأدبية والفنية، كاحترام وحدة الطبوع الموسيقية والوصل بين المتجانس منها، والمحافظة على تناسق الموازين والمزج بين المتجانس منها، والالتفات إلى تنسيق أغراض النظم ومواضيع الغناء، بعد تصحيح الأشعار وتصليح أعاريضها، هذا ناهيك عن الأداء الأصيل المميز لهذا الفن المتفرد بتلاحينه وبسياق تداوله وطقوس غنائه، وهذه الشروط والمقتضيات تكاد تنعدم في جل الأشرطة السائدة، وإذا توافر جزء منها في هذا الشريط أو ذاك، فإن هذا الشرط يظل يتيما وغير كاف لتحقيق الغايات الفنية و"الأصالة" المطلوبة. وهنا لابد أن نشير إلى أن لجوء بعض المنشدين وأجواق طرب الآلة إلى بعض مستعملات السماع مثلا فرضه عليهم بحثهم عن الأوزان والإيقاعات المهزوزة والراقصة التي من شأنها أن تفجر تجاوب الجمهور وتفاعله مع هذا النمط الموسيقي، وهو ما يقودنا إلى الحديث عما نسميه بـ"حمى الانصرافات" التي تكاد تنحصر فيها موسيقى طرب الآلة في الأسواق اليوم.

 

ينبني هذا على خلفية مفادها أن عهد الإيقاع الكلاسيكي البطيء قد ولى، وأنه لم يعد يطرب الشباب الفائض بالحيوية والخفة والنشاط. وهذه دعوى باطلة من عدة أوجه رغم ما قد توهم به من مصداقية اكتسبتها من ترويجها لا من واقعيتها. ما يبطل هذه الدعوى فلسفيا وواقعيا هو أنه لا مجال للحديث عن تاريخية خطية تحكم انتشار الإيقاعات بحيث يلغي كل لاحق سالفه وينسخه، بل إن جميع الإيقاعات يمكنها أن تتعايش وتتزامن ليس فقط في زمن واحد، بل في شخص واحد، فالشخص قد يطرب في حالة نفسية معينة للإيقاع السريع الخفيف، مثلما قد يطرب للإيقاع البطيء المهيل في حالات أخر، ذلك أن كل واحد منهما يتحدد بالآخر، على أن الشرط الأساس هو إتقان الأداء وحسن الاختيار والتوظيف والتحيين، وإذا ما تمثل الفنان هذه الخلفية وآمن بفنه وسخر موهبته عن وعي لخدمة اقتناعاته المستمدة من الفن وتاريخه ومقاصده، أمكنه إذ ذاك أن يقنع مستمعيه ويؤثر في جمهوره ويرقى بذائقة هذا الجمهور الفنية ويبصم ببصماته آذان الناس وذاكرتهم الموسيقية، حينئذ سيستحق اسم الفنان عن جدارة تاريخية واستحقاق فني. إنها رسالة الفنان التي نجحت بعض نماذج الأغنية العصرية في ترجمتها وتحقيقها، أما أن يتنازل "الفنان" عن هويته ورسالته وينجرف مع حس عام، وأمواج عابرة فإنه سيعبر معها حتما، وسيأفل نجمه ويهوي بسرعة، مثلما قفز بسرعة عن طريق الانقياد للموضة ومجاراة الحس العام ولو كان "عبثا" عممته بعض وسائل الإعلام أو غيرها إما عن جهل أو لغايات استهلاكية ظرفية سريعة الزوال. ثم إن مقولة "الجمهور" التي غالبا ما يتذرع بها الفنانون السطحيون ليست متينة ومنيعة أو مقنعة، فبالإضافة إلى دور وسائل الإعلام في صياغته وتوجيه ذائقته، فإنه متعدد ومتنوع ومختلف بتعدد تلك الوسائل وما تطرحه من جهة، وكذا بتنوع المشارب الأخرى التي تؤثر في ذائقته وميولاته الفنية، لذا فليس من حق أي كان أن يبرر اختيارا فنيا انطلاقا من "الجمهور" متحدثا باسمه وصيا على ذائقته، بل يجب أن يطرح على الجمهور أعماله ويحاول إقناعه بها ضمن مشهد فني عليه أن يبلور من خلال الحوار والتفاعل معايير جمالية تشكل ذوقا عاما منفتحا باستمرار على التطور نحو الأفضل؛ لذا من حق الجمهور أن ينصت إلى نماذج متنوعة بشرط أن تكون واعية بوظيفتها وفنها حتى يتسنى له أن ينتقي ويختار دون أن ننتظر أي وهم بسيادة مطلقة لهذا النمط الموسيقي أو ذاك، أو لهذا الإيقاع على ذاك.

 

هكذا يبدو إذن أن بعض الدعاوي التي تتأسس عليها "حمى الانصرافات" واهية، وهي المبررات نفسها التي يعتمدها أصحابها في اللجوء إلى المقامات الشرقية أثناء أداء الموال الفردي، وهنا وبعيدا عن كل شوفينية أو تعصب نقول: إننا نطرب جميعا للمقامات الشرقية، لكن لكل "مقام" مقام، فنحن في الموسيقى الأندلسية المغربية وكذا في السماع نوظف طبوعا متميزة بخصائصها الموسيقية البنيوية وأساليبها التلحينية وكذا ملامحها المخصوصة في البنية الموسيقية الإيقاع والأداء، فلماذا نخلط ونخبط؛ خصوصا وأن المواويل هي لحظات فنية لا تنفصل عن الجو الموسيقي العام الذي ينتظم في إطار طرب الآلة، مما يعني أن استدخال المقامات الشرقية أثناء الموال، هذا على افتراض الإتقان والتمكن من خصائص تلك المقامات الموسيقية وأجناسها، قد يخلق متاعب موسيقية ويسبب نشازا فنيا في عملية "النفقة" أثناء ما يعرف بـ"التغطية" أي الصنعة الموالية للموال. أضف إلى ذلك أن هذا الأمر يفسد أصالة هذه الموسيقى التي تنحت، بفضل أصالتها المغربية هاته، مكانتها بين مختلف أشكال الفن الموسيقي وطنيا وعربيا ودوليا. ورب فنان مشرقي عزيز ينصت لموسيقى أندلسية مغربية، فيصدمه "نجومنا" من حيث لا ينتظر بمواويل هي نسخة من إبداعات أهله وذويه، ليكرر على مسامعنا في تنذر واستعلاء تلك العبارة القديمة – الجديدة: "هذه بضاعتها ردت إلينا". بيد أن أجدادنا نهجوا نهجا معاكسا، فكانوا أكثر أصالة وتجديدا من هؤلاء "النجوم"، فقد لونوا الموسيقى التي وصلتهم من دجلة والفرات بلونهم الخاص، وسقوها بماء أندلسي مغربي حتى أضحت منتوجا خاصا بهم يعبر عن حيواتهم ومشاعرهم وأخلاقهم؛ إليهم ينسب وبه يعرفوا، وإلى وقت قريب بادر بعضهم إلى مقام شرقي كالنهاوند وحاول مغربته، وذلك بالتلحين فيه على نهج أندلسي ومغربي صرف (راجع قائم ونصف النهاوند للفنان مولاي العربي الوزاني، وكذا قائم ونصف النهاوند والدرج للشيخ عبد اللطيف بنمنصور...). وشتان بين استراتيجية الشيوخ، وارتجال وضلال هاته "النجوم" التي تقع في التقليد في الوقت الذي تزعم فيه التجديد، وتطمس أصالة الموال المغربي من حيث تريد تحسينه وتطويره، ثم إن الموال المغربي ليس به خصاص فني، إذا وجد من يتقن التغني به ويؤدي جمله ومحطاته الموسيقية برونق وبهاء (لنتذكر مثلا الخصاصي المنشد الكبير والفنان مولاي عبد السلام الشبيهي وما بعهدهما من قدم...)، وهذا يعود أساسا إلى مدى غنى وثراء الذاكرة الموسيقية للمنشد ومدى اختزانها واكتنازها للصنائع والمستعملات والأدوار الأندلسية المغربية والسماعية وأذكار بعض الطوائف الصوفية... والتي من شأنها أن تعسفه في اجتراح موال مغربي أصيل ومؤثر ونفاذ إلى القلوب والأفئدة يكون بمثابة سند لإنشاد الطبع أو "البيتين" في المحافظة على أصالة وأناقة الطبع وخصوصيته المغربية. من هنا ضرورة العناية أيضا بالإنشادات، وهي أشكال فنية مخصوصة من الأداء الفردي تعضد تميز المنشد المغربي وقدرته على إغناء التراث الموسيقي العالمي ضمن الانفتاح العالمي على مختلف التراثات الكونية بتعددها واختلافها وتنوعها.

 

إن هذه الملاحظات تتغيا، بصدق نية وصفاء طوية، النظر بعين السمو الفني لتراثنا الموسيقي المغربي، وإعادة الاعتبار لأربابه ومبدعيه، وذلك للترفع ببعضهم عن العبث بتراث أمتهم طمعا في مآرب ذاتية جد محدودة وقاصرة وأنانية، وهنا أيضا يجب تنبيه بعض "العابثين" الذين يجمعون في سذاجة وميوعة وربما عن "جهل" بين بعض الأغاني الشعبية وبعض مستعملات طرب الآلة وفن السماع، لأن ذلك يكشف قصورهم وعجزهم عن خلق خصوصيتهم انطلاقا من إدراك إمكاناتهم والبحث الجاد والعارف والذكي عن مشارب مجهولة ومصادر خبيئه لتجديد أسلوبهم الغنائي –هذا إذا تميزوا بأسلوب خاص بهم أصلا- بعيدا عن المساس بخصوصية أي نمط تراثي موسيقي. ليس العيب في الاقتباس، بل في سذاجة "الاقتباس" بحيث يفسد "الفنان" مستواه عابثا بالمقتبس منه، والمقتبس إليه، ومحولا "القبس" الوضيء إلى ليل بهيم.

 

انطلاقا من كل ما سبق، فإننا نرى أن على كل الولوعين والغيورين وعشاق هذه الموسيقى، وكذا كل الحريصين على هويتنا الحضارية وشخصيتنا الوطنية من فنانين وباحثين وصحافيين ومسؤولين في وزارتي الثقافة والإعلام، وجمعيات موسيقية وفنية جادة، ومؤسسات مهنية أن يبادروا للعناية بهذا التراث وإنقاذه من المسخ والتشويه والعبث، وذلك عن طريق الحوار المثمر والنقد المنتج، وكذا بواسطة تشكيل لجن فنية وطنية تسهر على مراقبة مختلف التسجيلات الصوتية والمرئية وفحص مستواها الفني في حياد ونزاهة وبناء على معايير تصاغ من خلال المطارحة والمحاورة كما وضحنا آنفا، مع ضرورة دعم مختلف الملتقيات والمهرجانات والأعمال الفنية والمشاريع العلمية التي تجمع بين الأصالة المطلوبة والتجديد الرزين والمؤسس الضامن لخلود هذه الفنون، بهذه الخطوات يمكننا تنخيل الرائج من هذه الفنون للاحتفاء بالجيد الرفيع وطرح الغث الوضيع، ولن نرضى بمثل الوضع الحالي الهجين في حضارتنا أو على فضائياتنا التلفزية مرآتنا أمام العالم، وأعني الوضع الذي تشيعه وتكرسه بعض الأشرطة والأجواق التي لا هم لأصحابها ولا هاجس لهم إلى الشهرة الزائفة والربح التجاري على حساب هذه الفنون التي تمثل رأسمالا رمزيا نفيسا لأمتنا. وهنا لابد من الإشادة ببعض الجمعيات والمجموعات والمنشدين الذين يشتغلون بوعي وإبداعية سرا وعلانية لخدمة هذا التراث، ولنا عودة لمناقشة مثل هذه النماذج حتى نعترف ونعرف بأعمالهم ونطرحها لمستوى آخر من الحوار والتحليل.

 

وختاما أتمنى أن يكون هذا المقال فاتحة نقاش موسع يعيد الإنصات لبعض الأصوات التي سبقتنا في طرح بعض الأفكار والآراء التي تنحو نفس المنحى، وذلك بغية إثارة أسئلة مفتوحة وجادة ومسؤولة تعمق فهمنا لهذا التراث فلسفيا وأدبيا وفنيا من خلال الأمثلة والنماذج وانطلاقا من تحاليل عينية ملموسة ومتنوعة... هذه وجهة نظر الحافز إلى طرحها تعلقنا بتراثنا الموسيقي وارتباطنا الوجداني بالموسيقى الأندلسية المغربية، وعشقنا لأصالتها وبهائها. ومن شعائر العشق غيرة العاشق على معشوقته، وهذا المقال ليس إلا غيرة منا عليها...

لا توجد تعليقات
ضع بصمتك و أثري الموضوع بنقاش رائع :)